بقلم : فتحي سند
في مثل هذه الايام قبل ٥٣ عاما كان النصر يتحقق وكانت الكرامة تعود الي الانسان العربي الذي فقد احترامه بعد نكسة ٧٦٩١.
لم يتوقع العدو الاسرائيلي أن يقف الجندي المصري علي قدميه مرة أخري، وكان قادة اسرائيل الذين تدعمهم أمريكا وغيرها يعتقدون أن عبور القناة من الضفة الشرقية يحتاج الي معجزة.
بالفعل.. كان اعتقاد، بل ايمان العدو صحيحا.. اذ أنه.. ولأنه عدو جبان، فقد أقام خطا دفاعيا علي شط الضفة الغربية لا يمكن لأحد اقتحامه إلا بمعجزة فعلا.
أذكر.. بعد حرب الأيام الستة التي راح ضحيتها جيش مصر الذي لم يحارب.. كان الصهاينة يقفون علي الضفة الغربية، ومن وراء خط بارليف الذي يحتمون فيه وقالوا عنه انه لا يقهر، وكانوا يشيرون إلي جنود مصر المواجهين لهم في الضفة الشرقية بحركات وعبارات استفزازية كلها »تريقة«.. ولم يكن باليد حيلة غير الصبر حتي يتم اعادة بناء الجيش.
وبالفعل.. وبسرعة غير متوقعة.. أعاد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ما ضاع بسبب النكسة.. وأمر بشن سلسلة من الضربات الموجعة لليهود في حرب استنزاف كانت بمثابة التسخين للمباراة الكبري مباراة العبور والتحدي الأعظم.
وتحقق النصر في ٣٧٩١ علي يد الرئيس الراحل أنور السادات من خلال ملحمة أسطورية لا مثيل لها أدهشت العالم.. وجعلت الدنيا بأثرها تتحدث عن هدوء الجبابرة الذين عبروا المانع المائي وازالوا الساتر الترابي، واستولوا علي خط بارليف، واصابوا العدو بالذعر والهلع.. بل وقتل غرورهم إلي غير رجعة.
كانت الساعة الثانية وخمس دقائق يوم ٦ أكتوبر ٣٧٩١ حين بدأت شرارة معركة الكرامة.. بعد هذا التوقيت بأقل من ساعة، جاءني صوت المذيع بالراديو يقول ان قوات العدو فتحت النيران علي جنودنا، فتصدت لها قواتنا المسلحة علي طول الجبهة بعد أن أقامت رؤوس جسور لها، وتعبر الي الضفة الشرقية لتحرير تراب سيناء الغالي.
لحظة لا يمكن لمن عاشها أن ينساها، لأنها ترتبط بمرحلة فارقة في حياة من عاش مرارة النكسة وروعة النصر.
توالت البيانات.. وفي مقدمتها أن قواتنا الجوية قامت بتوجيه الضربة الساحقة لكل مواقع العدو ومطاراته في سيناء فدمرتها وألحقت بها خسائر فادحة.
الطائرات المصرية التي لم تحلق في ٧٦٩١ تسيطر علي الاجواء في ٣٧٩١ بقيادة اللواء محمد حسني مبارك وتفتح البوابات أمام سلاح المهندسين ليقيم الكباري وللمشاة ليعبروا وللمدفعية لتدك الحصون وللقوات البحرية كي تطلق صواريخها من المياه الاقليمية.. ولكل الافرع الاخري لتؤدي مهامها بسرعة شديدة الي آخر سيمفونية الابداع التي لعبت فيها قوات الدفاع الجوي دورا خطيرا في منع طائرات العدو من »البرطعة« في سماء البلاد بالتنسيق مع فرسان الجو المصريين.
وتحقق النصر.. وقاد الرئيس مبارك البلاد لاستكمال مسيرة التحرير والبناء، في مرحلة غاية في الصعوبة لأنها كانت تحتاج الي الحكمة وإلي العقل.
قال اليهود ان حرب الأيام الستة في ٧٦٩١ كانت سهلة لانه لم تكن هناك مقاومة.. ونحن الآن نقول وبكل فخر أننا قضينا علي أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر في ست ساعات.. ولولا أن دخلت أمريكا وأنصارها الحرب ما وقفت اسرائيل علي قدميها.
تحية إلي أبطالنا وإلي شهدائنا الذين غسلوا العار واعادوا الاحترام للمواطن المصري والعربي.
يجب أن نظل نتذكر دائما اننا انجزنا الصعب.. بل الأصعب في تاريخ مصر، وهو الانتصار في حرب التحرير، ولكن لا نؤدي السهل لأن هناك من يتخاذلون أو يتهاونون في حق أنفسهم وفي حق بلدهم.
المسألة ليست كلاما.. وإنما فعل، وما ينبغي أن نفعله، ونركز عليه هو أن نسأل أنفسنا دائما، وفي كل وقت.. كيف انتصرنا في ٣٧٩١؟ ولماذا نقصر في حق بلدنا؟