كلام يبقي
نگران الجميل
بقلم:
ممتاز القط
ليس جديدا، أن تواجه مصر بنكران الجميل، من بعض الأطراف العربية. فخلال عشرات السنين من نضال مصر، دفاعا عن أمتها العربية والإسلامية، تعرضت لحملات كثيرة، تحاول النيل من دورها ومكانتها، في مزايدات رخيصة، لم نعر لها أي اهتمام في يوم من الأيام. لكن الهجوم ونكران الجميل هذه المرة تحول إلي منظومة متكاملة، تحاول تضييق الخناق علي الدور المصري، ليس فقط في الدفاع عن الشعب الفلسطيني الأعزل، ولكن دوره في الحفاظ علي القضية الفلسطينية، والتي تجتمع قوي الشر كلها اليوم من أجل إنهائها، وإلي الأبد تحقيقا لأحلام إسرائيل الكبري، ولكل قوي التطرف بالمنطقة، وفي مقدمتها إيران، وبعض التابعين لها، مثل سوريا وحزب الله.
للأسف الشديد، يحدث ذلك كله بواسطة قوي التطرف الفلسطينية، التي تمثلها حركة حماس، التي تملك تاريخا طويلا من العمالة الرخيصة والخيانة، التي اودت بحياة العديد من قياداتها، أمثال الشيخ احمد ياسين والرنتيسي وغيرهما، الذين قتلوا بدم بارد بعد ان اوشي بهم قادة حماس الجدد، الذين يقبعون في قصور دمشق، ويرتعون في حاناتها، ويديرون تجارة واسعة، وعالما خاصا لبيزنس وتجارة السلاح، وبيع المعلومات الاستخباراتية، والقيام بعمليات القتل المأجور.
لم يكن غريبا ان تواجه مصر بنكران الجميل، ومحاولة اعاقتها عن تأدية مهامها في الحفاظ علي ما تبقي من زخم للقضية الفلسطينية، التي تتعرض اليوم إلي تصفية حقيقية، وبيد خفية من الفلسطينيين ممن باعوا انفسهم للشيطان، واصبح دم شعبهم رخيصا وبخسا.
قادة حماس، ومن يقف وراءهم، يلعبون بالنار، ويختزلون اليوم قضية دولتهم وشعبهم في غزة، وما تتعرض له من عدوان همجي وبربري، كانت مصر أول من تصدي له، وفضح اهدافه ونواياه.
اختزلوا قضية فلسطين كلها في غزة، واختزلوا مذابح غزة في المعابر، واختزلوا المعابر كلها في معبر رفح، لتنطلق بعدها سهامهم الطائشة، تحاول النيل من دور مصر ومكانتها وقيادتها لأمتها العربية، ولمصلحة قوي الشر الايرانية والسورية، التي جرت حماس إلي هذه المواجهة غير العادلة، وغير المتكافئة، والتي لم يصبح فيها للدم الفلسطيني اي ثمن، إلي الدرجة التي يعلن فيها احد قادتها، ان الحركة سوف تستمر، حتي لو كان الثمن هو آخر مواطن فلسطيني من سكان غزة، البالغ عددهم ما يقارب مليونا ونصف المليون نسمة.
> > >
لم تكن المرة الاولي ولن تكون الاخيرة التي يحاول اعضاء حماس فيها إثارة قضية معبر رفح، كجزء من المخطط الإسرائيلي للفصل بين الضفة والقطاع، والتحلل من اي التزامات لها تجاه غزة، باعتبارها ارضا محتلة، تريد ان تلقي تبعاتها علي مصر.
قادة حماس يشاركون في هذه المؤامرة الدنيئة، التي تأتي في اطار مخططات توسعية، وتنفيذا لأوهام واحلام بعض الساسة الاسرائيليين، في ان يكون جزء من مدينة رفح المصرية، هو الوطن البديل لسكان غزة، أو علي الأقل تظل غزة مخيما ضخما تحمل مصر تبعاته، وتبعات سكانه للأبد.
ان معبر رفح يمثل احد ٧ معابر رئيسية، تخضع ٦ منها لقوات الاحتلال الاسرائيلي، علي حين يوجد بروتوكول دولي خاص بتشغيل معبر رفح، ينص علي ان التشغيل من الجانب الفلسطيني، يخضع لرقابة ممثلي السلطة الفلسطينية، وبمشاركة ممثلي الاتحاد الاوروبي، وتحت رقابة الجانب الاسرائيلي، عن طريق كاميرات خاصة للتصوير والمراقبة، في حين يخضع تشغيله من الجانب المصري لرقابة مصر. وهذا البروتوكول وقعته السلطة الفلسطينية في نوفمبر ٥٠٠٢ مع الجانب الاسرائيلي، والاتحاد الاوروبي، وشهدت علي توقيعه كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية، ومصر لم تكن طرفا فيه. وظل المعبر مفتوحا، حتي قامت حركة حماس بالاستيلاء علي غزة، وطرد ممثلي السلطة الفلسطينية، كما غادره ممثلو الاتحاد الاوروبي، ليظل المعبر تحت أمر قادة حماس فقط، وهو ما يمثل اعتداء علي الشرعية الدولية، في حالة تشغيله بالمخالفة للبروتوكول الموقع.
لم يحدث ان اثيرت اي مشاكل خاصة ببقية المعابر الستة، وإن كانت حماس قد لجأت في العديد من المرات إلي ضرب بعض هذه المعابر، لتظل الاضواء مسلطة فقط علي معبر رفح، تنفيذا لمؤامرة الانقسام والانفصال ..
لكن، لماذا معبر رفح بالذات؟ بغض النظر عن مؤامرة تكريس الانفصال، فإن معبر رفح يمثل أهمية خاصة لقادة حماس، الذين يقومون بتهريب بعض الاموال عبر هذا المعبر، وقد تم بالفعل ضبط العديد من حالات التهريب، وإن كانت مصر للاسف الشديد قد اضطرت لغض الطرف عنها، اعتقادا انها سوف تصب في النهاية لمصلحة الشعب الفلسطيني، وتلبية احتياجاته، وهو الامر الذي تأكد خطؤه.
كما ثبت أيضا ان المنفذ استخدم لمحاولة تهريب بعض الاسلحة والذخائر، من وإلي قطاع غزة، وكلنا نتذكر عمليات ضبط بعض المسلحين، الذين تسللوا لداخل مصر، في عملية الاقتحام التي تمت للمعبر من قبل الفلسطينيين، ومعهم بعض الاحزمة الناسفة والاسلحة.
من ذلك كله، يتضح ان التزامات مصر تجاه معبر رفح، تحتم عليها احترام البروتوكول المنظم لعمل المعبر. وكم من مرات كثيرة طالبت فيها بضرورة وجود ممثلين للسلطة واللجنة الرباعية، لان سيطرة حماس وحدها علي المعبر، وتحكمها في عمليات الخروج أو الدخول، سوف تخضع لأجندة حماس السياسية، بعيدا عن مصالح الشعب الفلسطيني، كما يعد ذلك مخالفة صارخة للقانون والشرعية، وتكريسا للانقسام الفلسطيني.
قادة حماس بدأوا خطة تشويه متعمدة لدور مصر، والادعاء بأن مصر اخفت عنهم موعد القيام بالعملية العسكرية ضد غزة، خاصة ان وزيرة الخارجية ليفني كانت في زيارة للقاهرة، في اليوم السابق للعدوان.
لقد حضرت ليفني إلي مصر، بناء علي طلب من الرئيس مبارك، وبعد أن بدأت إسرائيل بالفعل تلوح باستخدام القوة، وحشد قواتها منذ اليوم الأول لانتهاء الهدنة، وإعلان حركة حماس عدم الالتزام بها.. كان الموقف يتصاعد بسرعة، ولأن مصر طرف أصيل في عملية التهدئة، التي تمت في المرحلة الأولي وعلي مدي ستة أشهر، استجابة لضغوط مصرية علي إسرائيل، كان من الضروري أن نكثف اتصالاتنا مع كل الأطراف، سواء مع الأشقاء الفلسطينيين أو الإسرائيليين، أو الأطراف العربية والدولية.. كان هدف مصر هو الدخول في مرحلة ثانية من التهدئة.
هدف مصر كان وسيظل هو انقاذ الأبرياء من الشعب الفلسطيني الأعزل، الذي يواجه حصارا خانقا، علي حين تزداد هوة الخلافات بين السلطة وحركة حماس.. كان من الضروري أن تتحرك مصر، وتستمر جهودها من أجل حماية هؤلاء الأبرياء، وخلال لقاء الرئيس مع ليفني، شرح لها خطورة استمرار الحصار، وخطورة اللجوء للقوة المسلحة، التي تفتح الأبواب أمام استمرار العنف والتوتر، وأكد علي ضرورة استمرار عملية التهدئة، رغم اعلان حماس انهاءها.
وبعيدا عن السذج، الذين لا يعرفون من النضال سوي الوقوف أمام الميكروفونات، والعزف علي عواطف الشعوب، وقاموس الشجب والإدانة، وبث روح الانقسام والوقيعة.. هؤلاء السذج الذين يعتقدون أن إسرائيل قد تقول لأحد أيا كان عن موعد هجومها، أو قيامها بعمليات عسكرية.. لكن الشواهد والأدلة كلها علي الأرض في غزة، كانت توحي بأن هناك عملا عسكريا وشيك الحدوث، وهناك تصريحات صدرت بالفعل من قادة حماس وبعض الفصائل، عن استعدادهم لرد أي عمل تقوم به إسرائيل. وهو ما يؤكد معرفتهم المسبقة، بأن إسرائيل تستعد للقيام بهجوم عسكري واسع النطاق.
> > >
مقاومة المحتل حق مشروع، تقره القوانين والأعراف الدولية، لكن المقاومة لابد أن تكون مقرونة أيضا بحجم الخسائر والمكاسب، التي تحققها لشعوبها.
لا يوجد أحد في الدنيا يستطيع أن يلوم كفاح الشعب الفلسطيني، ولكن لابد أن تكون لهذا الكفاح نتائج ايجابية، تعطي زخما للحق الفلسطيني.. إن إسرائيل تختلق الحجج والذرائع، في قضية اطلاق الصواريخ من داخل غزة، وبميزان القوة العسكرية والخسائر والمكاسب، فإن إسرائيل لا تتأثر إطلاقا بهذه الصواريخ، ولكنها تجعل منها ذريعة تقدمها للعالم وللمجتمع الدولي، لتؤكد مشروعية حقها في صد هذه الصواريخ والدفاع عن أفرادها، والنتيجة كما نري مئات القتلي، وآلاف المصابين من الأبرياء الفلسطينيين، الذين يعانون الأمرين.
نحن مع حق مقاومة الاحتلال، ولكن بلغة العقل والمنطق، والتي قد تكون أكثر وبالا علي إسرائيل، من مجرد اطلاق صواريخ لم تحدث أي خسائر حقيقية بهم.
موقف مصر لا يحتاج إلي أي نوع من التشكيك أو المهاترات.. نحن نقف مع الأخوة الفلسطينيين بكل فصائلهم وانتماءاتهم، علي نفس المسافة، لا ننحاز للسلطة أو ننحاز لحماس، أو لغيرها من الفصائل. انحيازنا الأول والأخير هو لأبناء الشعب الفلسطيني. الشعب الذي تزهق أرواحه بدم بارد، بسبب الانقسام البغيض، الذي يتيح الفرصة للعدوان الإسرائيلي الهمجي. لقد قمنا علي مدي الأعوام الماضية بجهد مكثف، وأرسلنا مبعوثين مصريين للأراضي المحتلة، واستضفنا في القاهرة العديد من الحوارات، بغية إزالة الانقسام الفلسطيني، وتحقيق وحدة الشعب الفلسطيني.
نجحنا بجهد دءوب في تحقيق التهدئة مع الإسرائيليين، وطالبنا مرارا وتكرارا بضرورة التمسك بهذه التهدئة، لأن رفضها قد يدفع إسرائيل للعدوان.. قمنا بجهود كبيرة لإزالة الانقسام الفلسطيني، لكن هناك بعض القوي للأسف الشديد تتدخل في محاولة لإعاقة ذلك، لتحقيق مكاسب خاصة، يكون قربانها هو الدم الفلسطيني، وكما قال الرئيس مبارك بكل الصراحة والوضوح، أن الدم الفلسطيني ليس رخيصا، ومصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يستبيحونه، من خلال الفرقة والانقسام الفلسطيني.. وجدد الرئيس رفضه وإدانته لعدوان إسرائيل الهمجي والوحشي، علي الشعب الفلسطيني، وهو العدوان الذي يشكك في أي حديث لقادتها حول السلام، وعودة الأمن والاستقرار بالمنطقة.
|
|