لا أعرف رقم الكتاب الأخير الذي صدر منذ أيام في قائمة الكتب التي كتبها،أو ترجمها، أو جمع موادها بطريقة »من كل بستان زهرة«، زميلنا في »دارأخباراليوم« الكاتب الصحفي الدءوب جدا: الأستاذ مجدي كامل؟!
ما زلنا نذكر كيف كانت وزارة الإعلام والثقافة أيام الدكتور عبدالقادر حاتم تتفاخر بأنها »تصدر كتابا كل يوم«، وجاء زميلنا الدءوب مجدي كامل لينشر كتابا كل ثلاثة أيام! لست مبالغا.. فقد حدث في شهر يونيو أو يوليو من هذا العام أن تلقيت من مجدي كامل 8 كتب جديدة أصدرها جميعها في شهر واحد!
وبالأمس.. تلقيت آخر كتبه تحت عنوان:»آل روتشيلد«، عن دار الكتاب العربي للنشر. ومن العنوان .. يمكنك أن تتوقع أن الكتاب يتحدث عن عائلة روتشيلد اليهودية التي سيطرت علي الاقتصاد العالمي، بصفة عامة، وعلي الاقتصاد البريطاني، بصفة خاصة، مما مكٌنها من إخضاع السلطة الحكومية والملكية لسلطة المال التي تتمتع بها عائلة روتشيلد الشهيرة.
وقد يقال: وما الجديد في ماضي وحاضر هذه العائلة التي كانت لأخبارها، وصفقاتها، وصراعاتها، وفضائحها، وانتصاراتها، وتضخم ثرواتها.. مساحات عريضة علي صفحات الصحف، ومساحات زمنية من البث الإذاعي والتليفزيوني بشكل شبه يومي، وأسبوعي، وشهري طوال العقود العديدة الماضية.. فما في استطاعة كاتبنا الصحفي المصري الأستاذ مجدي كامل أن يضيفه إلي معلوماتنا عن سلالة »مائير موسي باور«: المرابي اليهودي، ومهندس بروتوكولات حكماء صهيون، وأكبر وأخطر متآمر عرفه العالم؟!
< < <
وقبل أن تتصفح الكتاب أنصحك بقراءة آخر صفحاته التي خصصها المؤلف لتوضيح المصادر التي اعتمد عليها واستند إليها في جمع مواد أسطورة عائلة روتشيلد، فستفاجأ بأن هناك: 54 مصدرا، موزعة علي كتب بكل اللغات الحية، وأبحاث ودراسات بلغاتها الأصلية أو سبق ترجمتها إلي العربية، وأحاديث أدلي بها خبراء في الاقتصاد، وفي السياسة، وفي التاريخ القديم والجديد!
ومن العناوين المثيرة لهذه المصادر، نقرأ: »إمبراطورية مالية أباحت كل محظور« للدكتورة أميمة بنت أحمد الجلاهمة، و »النورانيون في كل مكان«، و»روتشيلد والاستثمار في الحروب الإسرائيلية«، و»وعد بلفور .. من هنا كانت المأساة«، و»بيت روتشيلد.. أنبياء النقود«، وغيرها.. وغيرها.. وحتي المصدر الأخير رقم54!
وتبدأ من البداية.. فتقرأ مقدمة المؤلف التي شرح فيها لماذا هذا الكتاب؟ والجديد الذي طرأ علي هذه العائلة التي تشبع الرأي العام العالمي، وأصيب بالتخمة، من كثرة ما قرأ وسمع ورأي عن آل روتشيلد منذ القرن السابع عشر الميلادي وحتي بداية القرن الحادي والعشرين؟
يبدأ مجدي كامل مقدمته بنقل فقرة من أشهر الحكم، والدرر، والمقتنيات اللغوية، التي نسبت إلي الداهية »ليونيل بن ناثان« مؤسس الفرع الإنجليزي لعائلة روتشيلد، وأحد الأبناء الخمسة لمائير باور. تقول الفقرة:
[ لم يعد يعنيني من قريب أو بعيد من يجلس علي عرش بريطانيا، لأننا منذ أن نجحنا في السيطرة علي مصادر المال والثروة في الامبراطورية البريطانية، قد نجحنا بالفعل في إخضاع السلطة الملكية لسلطة المال التي نمتلكها].
أهمية مؤسس الفرع الإنجليزي لعائلة روتشيلد لم تتوقف علي »الحكمة« التي نطق بها عن تزاوج المال بالسلطة أخطر مشاكل الحكم في الماضي والحاضر والمستقبل وإنما الأهم أنه: [استطاع كما كتب مجدي كامل نقلا عن مصادر وثائقه بالمال والخيانة والخديعة أن يشتري وعد بلفور المشئوم، ليؤسس لقيام الكيان الصهيوني علي أرض فلسطين].
وتتوالي انتصارات سلالة آل روتشيلد في قيام دولة إسرائيل ودعمها ومساندتها..
فهناك الحفيد:»إدموند دي روتشيلد« ابن جيمس مؤسس الفرع الفرنسي الذي استطاع بأموال الأسرة أن يبني المستوطنات الأولي علي الأرض الفلسطينية المغتصبة، ويصبح تاريخيا بالنسبة لليهود:» أبا الاستيطان اليهودي«.. وتتصدر صورته وأعمامه مدخل مبني البرلمان الإسرائيلي »الكنيست« اعترافا من الإسرائيليين بأفضالهم وأموالهم ونفوذهم.
< < <
ويصف مجدي كامل هذه السلالة بأنها تعلمت من مؤسسها مائير باور الملقب ب »اليهودي الكبير « كيف يتولد المال من لا شيء، وأساليب استخدام قوة المال الرهيبة كسلاح لا يقهر، وتحويل حلم غير مشروع إلي واقع لا يمكن تصديقه، ومضاعفة الثروة التي تركها لأولاده وأحفاده وذلك بالتآمر علي الدول التي يمتلكون فروعا لإمبراطوريتهم فيها، وزرع الفتن وإشعال الثورات وإذكاء الصراعات من خلف الكواليس، ودفعها لشن الحملات والحروب بعد السيطرة عليها بدفع خزائنها للإفلاس ثم إقراض حكوماتها، مقابل الحصول علي امتيازات تخوٌل لهم استصدار ما يحلو لهم من قرارات وقوانين تصب في خانة اليهود .. كما فعلت إنجلترا بتسليمهم فلسطين!
وقيام دولة لليهود ليس الفخر الأكبر لآل روتشيلد. فمن رأي المؤلف الزميل مجدي كامل أن هناك ما هو أهم وأخطر. فالعائلة اختطفت أكبر ثلاث قوي في العالم، وأكثرها تأثيرا.. وأصبح آل روتشيلد عمليا الحكام الحقيقيين علي هذه الدول الثلاث و المهيمنين علي مقدراتها، والمتحكمين في مصائرها، والمحددين لعلاقاتها مع العالم الخارجي. وهذه الدول المخطوفة هي:أمريكا وانجلترا وفرنسا!
كتاب مجدي كامل الأخير »آل روتشيلد« يروي في ثمانية فصول تاريخ وقصص وألاعيب هذه الأسرة مدعومة بوثائق وشهادات لبعض من عاصروها في الماضي والحاضر، ومنها ما كان ولا يزال ضد العرب والمسلمين، ومنها من كان أيضا ضد بقية العالم. والهدف من وراء كشف وإعادة الأضواء لحكايات هذه الأسرة الأسطورية، يرجع إلي حرص ورغبة المؤلف الأستاذ مجدي كامل إلي أن [نتعلم نحن العرب الدرس، ونستيقظ من سباتنا، وأن نحاول بما لدينا من أموال وثروات أن نحقق آمالنا وأحلامنا خاصة في قضايانا العادلة والمشروعة. وهو ما كان آل روتشيلد يفتقدونها.. وأقصد القضايا العادلة المشروعة. فلا اغتصاب أرض فلسطين لتقام عليها دولة إسرائيل يمثل قضية عادلة، ولا استمرار الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية يعتبر قضية مشروعة.. ورغم ذلك نجح المال اليهودي في أن يحلل الحرام، فيقلب الظلم عدلا، ويضفي الشرعية علي ما لا شرعية له!]
كتاب »آل روتشيلد« يثير شهية القراءة.. أو حتي إعادة قراءة ما قد تكون قرأته من قبل عن تلك الأسرة الأسطورية، وبنفس الاهتمام والتشويق وكأنك تقرأها لأول مرة. الكتاب كما وصفه صاحبه هو: [عملية توثيق للمسار الجهنمي الذي قطعته أخطر عائلة يهودية، وتمكنت من خلاله، وبما لديها من عبقرية شيطانية، من تغيير مجري التاريخ.. وإعادة تشكيل خريطة العالم].
< < <
ونحن في عالمنا العربي الممتد من المحيط إلي الخليج نتحدث كثيرا عن زواج المال بالسلطة وتأثيره السلبي، الخطير كما يري كثيرون علي كل شيء وأي شي. وهذا التأثير مهما بالغنا في تأثيره فمن السهل تحجيمه أو منعه بالقانون ، أو حتي بإجبار الطرفين علي قبول الطلاق.. بأقل الأضرار الممكنة. أما زواج المال بالسلطة بأسلوب آل روتشيلد فتأثيره يكون مدمرا، وواقعا، ومستمرا .. ولا ينفع فيه فراق أو طلاق. فهو مثل الزواج الكاثوليكي.. الذي لا طلاق فيه، وذلك عملا بحكمة مؤسس الأسرة.. القائلة:»السيطرة علي المّلِك أفضل من الجلوس علي العرش«!