|
|
| السنة - | 808 | ه - العدد | 1430 | محرم | من | 7 | - م | 2009 | يناير | من | 4 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
4:09:56 PM |
 |
الساعة - |
 |
1/3/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| أعمدة |
 |
|
|
مدينة الله
أفراح مصلوبة
د.محمد حسن عبدالله
احتفاء بالقدس عاصمة الثقافة العربية لهذا العام، تخصص أخبار الأدب هذه المساحة أسبوعيا للدكتور محمد حسن عبدالله يقدم فيها علي مدار العام وجوه المدينة المقدسة.والأدب الذي استمد من وجودها وجوده.
 | | كنيسة مريم المجدلية الروسية نهاية القرن ال19 |
|
يا سيد، يا مجد الأكوان
في عيدك تصلب هذا العام
أفراح القدس
صمتت في عيدك يا سيد كل الأجراس
من ألفي عام لم تصمت
في عيدك إلا هذا العام
فقباب الأجراس حداد
وسواد ملتف بسواد
>>>
هذا هو مفتتح قصيدة »إلي المسيح في عيده« للشاعرة فدوي طوقان وهي إحدي قصائد ديوان »الليل والفرسان« الذي تتضمن عددا من التجارب المرتبطة بأعقاب نكسة يونيو ٧٦٩١ ومعاناة آثارها. علي أن الشاعرة آثرت اتخاذ »القدس« رمزا للمعاناة والعذاب الذي يلاقيه أبناء فلسطين في جميع موقعها بعد أن سقطت بكاملها تحت جنازير دبابات العدو، غير أن »القدس« - المدينة الأقدم والأقدس، حيث تهوي إليها قلوب الملايين من المسيحيين والمسلمين في جميع أطراف الأرض، تبقي البقعة الطاهرة والمدينة الحلم، والرمز القادر - دون غيره - علي تفجير الصور وتجسيد الانفعالات بما تضمر هذه المدينة في المنظور من منشآتها، والمستخفي من ذكرياتها ما يجعل من التاريخ حضورا مستمرا، هذا فضلا عن تداعي الأحوال وتشابه الأهوال.
القصيدة ضراعة ودعاء، وجهته الشاعرة في أول »عيد ميلاد« عاشته المدينة المقدسة في ظل الاحتلال الاسرائيلي، ومع أن النداء موجه الي السيد المسيح، وفي القصيدة اشارة صريحة الي صمت أجراس الكنائس في تلك المناسبة المجيدة، فإن مرتكز المعني الممتد علي مساحة القصيدة ينص علي القدس: إن صور القصيدة ترتبط بالرؤية المسيحية، وهذا ما يستدعيه التوحد بالمشهد المائل، مثل دق الأجراس في عيد الميلاد، والصليب، ودرب الآلام، واضاءة الشموع في الأعياد.
هذه مرتكزات هي طقوس تمنح سياق القصيدة صدق الانتماء الي المناسبة، وسماحة العقيدة عند الشاعرة التي لا تمارس هذه الأعمال، وإن تجاوبت معها تجاوب أبناء الوطن الواحد الذين علمتهم أحداث الزمان أن يكونوا دائما معا. في لغة القصيدة قدر من »المشترك« فوصف المسيح بالسيد وصف إنجيلي، وقد وصف به يحيي في القرآن، أما الاقتباس من الانجيل فقد تعددت مواضعه، وهو يدخل في التناص، لأنه لم يلتزم بحرفية العبارة في: قتل الكرامون الوارث، وفي السطر الختامي اعادة بناء وصياغة لعبارة منسوبة الي المسيح وهو يعاني آلام الصلب.
في البدء ينادي المسيح: »يا مجد الأكوان« وفي مستهل المقطع الأخير ينادي: »يا مجد القدس«، وبين البدء والختام تبدو القدس المعذبة بسياط الصهاينة: »علي درب الآلام تجلد تحت صليب المحنة«.. فهذه اعادة تمثيل لمسار المسيح ما بين قبض جنود الرومان »المستعمر« عليه، وسوقه حاملا صليبه الي مكان نهايته/ بدايته، فكأن النظير ينتهي بنا إلي أن سيد الأكوان هو سيد القدس، فتكون القدس بذاتها كونا »أو أكوانا« لا مكان لإصلاح شيء حين يغيب أمانها. المعني، والصورة الكلية هي التي تنظم خطا القصيدة، فالقصيدة »مشهدية« تصف أحزان مدينة لبست الحداد في يوم عيدها، وكتمت أصوات فرحها »أجراسها« لأن المجلود ليس في قلبه مكان للفرح، وبين القلب والجرس علاقة تشكيل، وكذلك بين القباب والرءوس، وهكذا يبدو برج الكنيسة انسانا يعيش انفعالات البشر، ويشارك قومه أحزانهم، ويستحضر هذه الاحزان من طوايا التاريخ حين استجدت دواعيها.
القصيدة من شعر التفعيلة، جاءت علي بحر »المتدارك« فعلن، أو فعلن، وهو بحر رشيق سريع الايقاع، لم يتحمس له القدماء ولكن عددا من الأناشيد أثره لتلك الخاصية الايقاعية التي أشرنا إليها، واذ لا مجال في قصيدة التفعيلة لوحدة القافية فإن الشاعرة لم تهمل النسق القافوي، وانما أعادت التوزيع لأصوات القوافي بما يقوي الشعور بايقاع العديد »علي الموتي« ويساعد علي هذا وزن المتدارك أيضا. وقد وزعت الشاعرة سطور قصيدتها بحيث يكتسب المعني حيوية اضافية من خلال ما يمكن ان يعد تدويرا أو تضمينا، كما في:
في عيدك تصلب هذا العام
أفراح القدس
فالوقوف علي السطر الاول يحمل معني تجدد فعل الصلب »في العيد« هذا العام، فاذا بان بقراءة السطر الثاني ان المصلوب افراح القدس، اكتسب المعني، والصورة المجردة، بعدا آخر، أكثر قبولا.
|
|
|
بكل
الأصل عاريا
عزت القمحاوي
ليس لدي العالم ذاكرة ليسأل: لماذا هم هنا، ومن أين أتوا؟ فصار مهيأ، لاستقبال جريمة حرب يبدأها جيش الرب في يوم السبت الذي نهي فيه الرب عن العمل، وليس فقط القتل!
مشهد الأشلاء في شوارع غزة هو الأفظع في تاريخ الصراع العربي الصهيوني منذ 1967.
صحيح أن المجازر لم تتوقف، لكنها المرة الأولي التي لا يكون فيها أمل للفرار. في المذابح السابقة، كان هناك عمق غير معاد يسمح بدفن الأشلاء وغسل الدماء، لكن هذه المرة الحصار مكتمل، والقتل يتم بتؤدة واطمئنان، بلا خوف، حتي، من قرار إدانة لا يبعث الشهداء، ولا يعيد الأمان لأطفال مرعوبين.
"الرصاص المسكوب" هو العنوان الأقل أدبية الذي يتخذه الكيان الصهيوني لمذبحة يسمونها "عملية" كالعادة. آخر استخدام للمجاز الأدبي كان من نصيب القنابل المحرمة دوليا علي لبنان في يوليو 2006 التي استوحاها القتلة من جون شتاينبك "عناقيد الغضب".
هذه المرة تخلي الصهاينة، عن المجاز والبلاغة للجماهير العربية المتخبطة، كوعول تنطح جثة النظام العربي الذي انمسخ تمثالا من رخام، فلا توهنها، لكن توهن قرونها الوعول.
والصهاينة الذين لا يتنازلون عن شيء بهذه البساطة، كان بوسعهم أن يسموا مذبحتهم باسم آخر "هدايا أعياد الميلاد" مثلا، لكنهم لم يفعلوا، وفي هذا التنازل عن المجاز الأدبي مؤشر، علي استنفاد حاجتهم إليه، وقد صار بمقدورهم أن يستخدموا الكلمات عارية، وأن يشيروا إلي الدلالة المباشرة، فالرصاص المسكوب أو المصبوب، يشير بوضوح إلي فداحة المجزرة. وإن كان في التسمية شيء من المجاز، فهو استلهام صورة الجحيم.
رصاص جيش الله المختار علي رؤوس أطفال غزة، هو العقوبة الإلهية للكافرين. وقد اجتهدت إسرائيل في تسويق صورة "الشيطان الفلسطيني" التي ساهمت الفصائل الفلسطينية في صنعها، أو استدرجت إلي المساهمة فيها. وهكذا لم تنجح إسرائيل في تسميم جسد عرفات (شريك السلام) وحسب، بل في تسميم أرواح المناضلين وتحويلهم حكاما عربا تماما، بلا أي اختلاف تصنعه القضية أو الظرف الإنساني الخاص للفلسطيني: يتكالمون ويتكالبون ويستأسدون علي بعضهم البعض، ويتصارعون علي دولة لم ينجز منها إلا الاسم، فهل هذه صورة أصحاب قضية؟!
طوال سنوات الصراع كان الغزاة حريصين علي استخدام المجاز. حاولوا في البداية أن يكونوا أكثر براعة من الغزاة الأوروبيين (الذين صوروا الهنود الحمر بعين واحدة في منتصف الجبهة لتتطابق صورتهم مع صورة الشيطان في الخيال الشعبي).
عصابات الاستيطان الصهيونية في فلسطين كانت أكثر جذرية عندما ادعت أن الفلسطيني غير موجود أصلا ، وراجت مقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). وعندما اكتشف العالم زيف الرواية، لجأوا إلي العودة المفضوحة لأسطورة الطبيعة الشيطانية لجنس من البشر، ونجحوا بشكل مذهل في تسويق هذه الصورة لمنظمة التحرير الفلسطينية، حتي كانت انتفاضة أطفال الحجارة، التي أعادت الوجه الإنساني للمواطن الفلسطيني، لأنها كانت متسلحة بكل جماليات الضعف، في مواجهة آلة عسكرية عاتية.
ولكن إسرائيل التي نجحت في أن تكون اللاعب الوحيد حتي الآن، أعادت العجلة إلي الوراء بتشابك الخيوط الذي صنعته: مماطلاتها للسلطة أسفرت عن وجود حماس، ووجود حماس أسفر عن اختلاف شركاء القضية، وصواريخ حماس الهزلية تكفلت برسم بقية ملامح الشيطان، الذي يستهدف الآمنين الإسرائيليين!
وليس لدي العالم ذاكرة ليسأل: لماذا هم هنا، ومن أين أتوا؟ فصار مهيأ، لاستقبال جريمة حرب يبدأها جيش الرب في يوم السبت الذي نهي فيه الرب عن العمل، وليس فقط القتل!
المجزرة ليست الأولي، لكنها الأخطر، ليس فقط بعدد الضحايا، وإنما لأنها تبدو محاولة أخيرة لتصفية القضية، وإخلاء فلسطين من سكانها لتصبح كما أرادوا (أرضا بلا شعب) في ظل فصائل فلسطينية تتمسك بمواقفها التافهة، وفي ظل نظام عربي متداع، لا فضل فيه لمعارض علي موافق إلا بارتفاع الصوت.
وليس هناك من أمل إلا في وعي عربي جديد، بحقيقة هذا الصراع، وإعادة رواية القصة منذ البداية وحتي هذه المجزرة.
لا تؤمن إسرائيل بنسبية التعايش مع الآخرين، وما تطلبه هو النصر الكامل، أي الإبادة الكاملة. ويجب أن ننتبه لحقيقة الصراع التي كادت تغيب.
هذا "صراع وجود، لا حدود". وهذه الحقيقة تحتاج إلي ما هو أبقي من مظاهرة ننصرف بعدها إلي حياتنا راضين. نحتاج إلي جعل هذا الصراع أساسا لتعاملنا مع العالم، وإحياء المقاومة بالمقاطعة، لكي يشعر الآخرون بأن للقضية شعبا يحميها.
|
|
|
لا تذبحوا عصفور
د. سعاد الصباح
لا يحق لأحد أن يقص جناح الصحافة الكويتية بدافع المروءة والخوف علي مستقبل الكويت، كما لا يحق لأحد أن يطفيء قنديل الحرية في وطننا لأن إطفاء هذا القنديل سيلقينا في الظلام، ويدخلنا إلي مغارة لا باب لها.
ان الحرية هي إرثنا الكبير في الكويت، وبفضلها استطعنا أن نقاوم غزو الغزاة.. ونكسر سلاسل الحديد في أرجلنا.
الحرية هي مطلب الانسان منذ أن كان الانسان، ولا يمكنني أبدا أن أتصور انسانا يضعون علي شفتيه الأقفال، وهو الذي كرمه الله في كتابه الكريم بقوله: »ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين«.
وإذا كان القدماء قد عرفوا الانسان بانه »حيوان ناطق« فكيف نسمح لأنفسنا في الكويت، وفي بدايات القرن الحادي والعشرين، أن نلغي هذا التعريف بجرة قلم، لنعرف الانسان بانه »حيوان ساكت«.. أو حيوان مرغم علي السكوت.. إن اللسان هو العضو المركزي في الانسان وكل سلطة تفكر باستئصال ألسنة مواطنيها.. إنما تشنق نفسها علي أعمدة الجهل. وعلي هذا الأساس ، فإن مشروع القانون المقدم إلي مجلس الأمة الكويتي، ليس سوي محاولة لوضع العقل الكويتي في قارورة وختمها بالشمع الأحمر.
وفي حين تتسع مساحة الحريات في الصحافة الاوروبية والامريكية، ولا توفر في تعليقاتها الرئيس هيلاري، ولا ولي العهد الأمير تشارلز، لا نجد نحن في الكويت ما نتسلي به سوي أن نفش قهرنا في الصحافة والصحافيين.
إنني لأتساءل: هل صار اغتيال الصحافة الكويتية مطلبا قوميا؟ وهل صار الجهاد ضد أهل الفكر وحملة الأقلام هو أعلي مراتب الجهاد؟
لقد كانت الصحافة الكويتية في الستينيات والسبعينيات من أرقي صحف الخليج تحريرا، وتصنيعا، وتقنية، بل كانت تأتي مباشرة من حيث الأهمية، بعد الصحافة اللبنانية.
ولم يكن لهذا الازدهار في نظري من سبب آخر سوي »الحرية«.. فعندما يكون هامش الحرية واسعا، تدخل الصحافة عصرها الذهبي، وعندما يضيق هذا الهامش، تدخل الصحافة عصر الانحطاط.
إنني مع الصحافة الحرة، مهما كانت أخطاؤها.. فالحرية يمكن أن تصحح دائما ذاتها.. أما العبودية فهي قن »لا يسكنه سوي الدجاج«.
وإذا كانت الحرية دائما علي حق، فهذا لا يعني أنني مع حرية الانفلات، والتسيب، والتخريب.
فالحرية هي وعي يتكون من داخل الحرية ذاتها.. وليست أمرا بوليسيا يأتي من خارجها.
ومادام الصحافي يمارس »الرقابة الذاتية« علي كتاباته، ويستلهم وجدانه القومي والأخلاقي، فلا خوف عليه من الانحراف.
إذا، فلنقرأ الدستور الكويتي قراءة هادئة ومعمقة، لأن دستورنا هو المصدر التشريعي الذي يحمي حرية الرأي والفكر.
وكل محاولة للنيل من حرية الرأي، هي محاولة فاشلة للخروج عن النص.
|
|
|
كلمة
هذا الذي خلق من جزمة أفقا
صبري حافظ
فعل منتظر الزيدي إذن عملا إبداعيا متكاملا، أيقظ مشاهدي التليفزيون من سباتهم التنويمي
يكتسب هذا البيت الشعري الجميل، للشاعر الكبير محمود درويش معاني جديدة وعميقة بحقبعد أن قذف الصحفي العراقي الجسور منتظر الزيدي الرئيس الأميركي جورج بوش بفردتي حذائه، واحدة بعد الأخري. فقد كان محمود درويش يسجل فيه كيف استطاع الفدائي أي يجترح فعلا إبداعيا بحق، وأن يخلق أفقا جديدا في عالم انسد في الأفق. أما منتظر الزيدي، فقد تجاوز بفعله العبقري ذاك كل ما حققه الفدائي بجسارته في عالم أصبح الأفق فيه مسدودا وخانقا. لأن هذا الصحفي الذي يعمل في أداة الفرجة الأساسية في زمن مابعدالحداثة ومجتمع الفرجة، أي في محطة فضائية، استطاع بحق أن يكرس الوسيط في خدمة الرسالة، بوعي يوشك أن يكون مستمدا من مارشال ماكلوهان ونظريته الشهيرة عن أن الوسيط هو الرسالة. فقد أحال منتظر الزيدي الوسيط الذي يحيل العاملين فيه عادة إلي أدوات في خدمته وفي خدمة المؤسسة التي تستخدمه إلي أداة طيعة في يده بشكل ملهم، بل وعبقري. وأن يقدم فعله المشهدي والمشهدية هي سمة فن مابعد الحداثة علي أوسع خشبة مسرحية في العالم، لأنها الخشبة التي تنقل مسرحها إلي كل بيت، من خلال عدسات الفضائيات في أربعة أركان المعمورة. بصورة قلبت السحر علي الساحر بضربة معلم، وأحالت كل عدسات الفضائيات التي سخرتها المؤسسة السياسية، وجمعتها من أربعة أرجاء المعمورة، كي تنقل «انتصار بوش الأخير» بفرضه الاتفاقية الأمنية علي الحكومة العراقية العميلة التي توقع مع الاحتلال عقدا بشرعيته التي لم يشرعنها أي قانون عبر التاريخ، أحالت كل تلك العدسات إلي أداة طيعة في يد منتظر الزيدي وهو يجترح فعله الإبداعي الذي يختم به عصر بوش بتلك الخاتمة الرمزية الدلة.
وكي يتحول الفعل إلي عمل فني متكامل عرض مجسد ومبهر معا علي أكبر خشبة في العالم، وأمام مئات الملايين من المشاهدين المشدودين إلي شاشات تليفزيوناتهم مشدوهين ليحقق لهم التطهير بمعناه الدرامي العميق، كان لابد له من استخدام التكرار والمفارقة بالإضافة إلي الرمز، وهذا فعلا ما حدث. فلم يكتف منتظر بإلقاء فردة الحذاء الأولي في وجه بوش، بل تبعها بالثانية. فغاص بوش وراء المنصة ليراوغ الفردة الأولي، بينما حاول نوري المالكي أن يفرد يديه ويحيلهما إلي مروحة مزرية يرد بها عن سيده الفردة الثانية. هكذا جلب التكرار العنصر الساخر للعمل الإبداعي، وزوده بتهكمية مريرة وشفيفة معا تكشف للعالم كله عن أن احتلال العراق هو أكبر مسخرة في القرن الحادي والعشرين. أما المفارقة فقد كانت بين الفعل والكلمات التي أطلقها الزيدي بصحبته حينما قال بأعلي صوته وهو يسدد الحذاء صوب جورج بوش «هذه قبلة الوداع ياكلب!» فقد كانت القذيفة الحذائية قبلة وداع لكلب مسعور حقا، قتل أكثر من مليون عراقي، وشرد خمسة ملايين آخرين، وأطلق الطائفية المقيته من عقالها لتدمر الأخضر واليابس في بلاد الرافدين.
لكن الواقع البشع سرعان ما حول هذا الفعل الإبداعي الجسور إلي مسخرة حقيقية تثبت كذب بوش الذي أدعي أنه جلب الديموقراطية للعراق، حينما انهال جلاوزة المالكي، وبينهم صحفي كردي من الشمال العراقي المحرر صهيونيا، علي الزيدي ركلا وتعذيبا أمام عدسات الفضائيات. ليصبح الزيدي نموذجا لهم يتماهون معه، كلما ازدادت الركلات واللكمات. وليكشف للعالم في الوقت نفسه حقيقة الأكذوبة الديموقراطية التي جعلت من المالكي من حيث القسوة والاستبداد نسخة أخري من سلفه ومن كل طغاة عالمنا العربي المنكوب. وأهم من هذا كله يتوج بوش قبل أيام من مغادرته للبيت الأبيض بالتاج الوحيد الذي يستحقه: الحذاء. وليكشف لنا هذا كله عن أن الزيدي قد استطاع أن يوقظ الوعي من خلال نفس الوسيط الذي يسعي لتنويمه وتخديره.
كان فعل منتظر الزيدي إذن عملا إبداعيا متكاملا، أيقظ مشاهدي التليفزيون من سباتهم التنويمي، فانطلقوا يتأملون دلالاته. والواقع أنني كنت في الأسبوع الذي افتتحه الزيدي بفعله الجسور ذاك في زيارة لأسطنبول للمشاركة في مؤتمر عن الأدب العالمي بها. وما أن قمت بجولة في بازاراتها الشهيرة حتي فوجئت بآثار تلك الصحوة في تعليقات الكثيرين من أصحاب المحلات والمشترين، بل لقد سرب أحد المشاركين في المؤتمر الحدث إلي ورقته التي كانت تتناول الحركات الاحتجاجية التي بدأت منذ مظاهرات سياتيل الشهيرة ضد العولمة وحتي احتجاجات اليونانيين الضخمة في الشهر الماضي. وما أن عدت من رحلتي حتي وجدت سيلا من المواد من قصائد إلي قصص إلي مقالات قد بعث بها كثيرون لنشرها في مجلة (الكلمة). وتوشك الكثير من المواد التي تلقيتها أن تكون قراءات مختلفة لهذا العمل الإبداعي من أكثر من منظور. وقد امتلأت الصحافة العربية بالكثير من تلك القراءات. لكن ما يكشف منها عن أننا مازلنا في حضيض الهوان والتبعية هو تلك الأصوات تعالت في اكثر من مكان تصف تصرف الرجل بأنه لم يكن حضاريا، وأنه كان عليه كصحافي ان يستخدم الكلمة وليس الحذاء. فهل ضرب الرئيس الامريكي بالحذاء عمل غير حضاري، بينما استباحة بلد عربي بأكمله، وارسال الطائرات والدبابات وراجمات الصواريخ ومئات الآلاف من الجنود لاحتلاله، وقتل مليون عراقي علي الأقل وتشريد خمسة ملايين آخرين، بناء علي دعاوي كاذبة ومضللة، هو قمة الحضارة في نظر هؤلاء؟
|
|
|
ناصية
وسيم صلاح .. كلمة وداع !
أحمد الخميسي
كان تاريخ أسرته الوطني يسكن دمه، وكلما لاحت أمامه فرصة عمل هنا أو هناك كان يصيح بصوته الأجش الطيب : لا يا أحمد ، ماأقدرش ، أنا ابن صلاح حسين
وسيم صلاح حسين . آخر من تخيلت أن حياته ستنتهي فجأة وهو في السادسة والأربعين مفعما بالحيوية وحب الناس والضحك واستهتار الشجاعة والبسمة التي لا تفارقه تتودد إلي العالم وتقول لك : ثق في الحياة وعشها . كنت أوقظه في منتصف الليل بالتليفون وأقول له هناك مصري في مطار موسكو لايجد من يستقبله ، فيثب صوته ودرجة الحرارة تحت العشرين صائحا : يانهار أبيض . طبعا . لازم نروح له . لم يكن حتي يسأل من هذا المصري الذي ينبغي لأجله أن نقطع مسافة طويلة بسيارته اللادا في الزمهرير والصقيع قرب الفجر. يستقبله ويحمل حقائبه ويظل معه حتي يجد للقادم مسكنا وطعاما . كنا نقول له : فلان مريض . فلا يسمع الاسم . كان ضميره يلتقط فقط كلمة " مريض " ، فيهبط ويشتري فاكهة وزهورا ويتجه بها إلي أبعد مستشفي في موسكو ، وحين يعود يضحك قائلا : تبين أنني أعرفه ! وكان فارق السن بيني وبينه _ نحو خمسة عشر عاما _ يجعلني أشعر أنه يقع في منزلة ما بين صديقي وابني ، بعد أن جمعتنا سنوات طوال في موسكو، أنهي خلالها وسيم ماجستير صحافة، ثم ربطته بروسيا قصة حب مع " ناتاشا " قادته إلي الزواج ، ثم الانفصال ، ثم الحب من جديد والزواج مرة أخري . لكنه لم ينقطع عن مصر ، لا سنة ، ولاشهرا ، ولا لحظة ، كان يعيش هناك ومصر في ضميره ، في لفظه الكلام ، وفي نكاته ، وفي مشاريعه ، وفي اعتزازه بأن سمي علي اسم الضابط " وسيم خالد " الذي شارك في الكفاح ضد الانجليز قبل الثورة ، ثم أن والده هو صلاح حسين الذي استشهد في كمشيش دفاعا عن الفلاحين عام 1966 ، وخاله الطيار أشرف مقلد الذي استشهد في حرب الاستنزاف عام 1972 ، ووالدته السيدة المعروفة شاهندة مقلد التي كال لها القدر ثالث ضرباته المؤلمة بفقدانها وسيم . كان تاريخ أسرته الوطني يسكن دمه، وكلما لاحت أمامه فرصة عمل هنا أو هناك كان يصيح بصوته الأجش الطيب : لا يا أحمد ، ماأقدرش ، أنا ابن صلاح حسين ! . الشعور بتاريخ الكرامة الممتد في أسرته ، والكتب التي قرأها ، وغضبه في المناقشات السياسية ، لم يجفف عنده ينبوع الفرح بالحياة أو الضحك، فإذا جلست إليه أغرقك بالحكايات الصغيرة الممتعة. جاءني مرة يقول لي إنه تعرف إلي فتاة بالمصادفة عبر الهاتف ، واتفق معها علي لقاء تحت ساعة تتوسط ميدان معروف في موسكو ، ووصف لها نفسه لكي تتعرف إليه بأنه طويل وأشقر وله عينان زرقاوان ! . وحين ذهب إلي الموعد ، ظل يدور حولها ، وهو قصير أسمر أصلع ، وهي شاردة عنه ، حتي ناداها باسمها وقال لها هو غارق في الضحك : أنا الطويل الأشقر .. وسيم ! لكن هذا الشخص المحب للمرح والصخب كان يبدو إنسانا آخر تماما داخل مظاهرة في القاهرة تنديدا بعدوان إسرائيلي علي فلسطين، أو دفاعا عن الوحدة الوطنية في مواجهة الطائفية ، فكان وجهه يبدو مثل شعلة من غضب تتغذي من تاريخ تضحيات أسرته الطويل . جمعتنا سنوات طويلة أصبحت خلالها أسرته ووالدته شاهندة مقلد وأخته بسمة وأخوه ناجي أسرة ثانية لي ، أدخل بيتهم وقتما أشاء وأطلب الشاي والطعام كما أشاء. وكنت أرقبه ، وألحظ ذلك القلق الذي يعتريه وهو واقف في الريح بين شباكين : مصري ، وروسي . زوجته وطفلاه في موسكو ، وأهله هنا ، الريح التي وقف فيها الكثيرون من المغتربين حتي تجمد بعضهم في دواماتها ، وعصفت بقلوب البعض الآخر ، الريح التي لم تهدأ والتي ظلت تدور بلغتين ، وضحكتين ، ومدينتين ، وعالمين ، وهو واقف في عصفها ، يتأرجح يمينا ويسارا ، دون أن يفقد للحظة واحدة لا مرحه ، ولا نخوته ، ولا أمله في حياة أفضل وأجمل ، إلي أن عثرت عليه الشرطة الروسية قتيلا في ظروف غامضة داخل موسكو بعد أن اختفي من منزله وعنا لمدة نصف العام . هدأت الريح ، وغفت ، لترتوي الآن من دموع شاهندة ، ودموع كل الذين عرفوا وسيم صلاح حسين ، وأحبوه ، غفت الريح التي تمزقت بين عالمين ، غفت الريح المشاكسة والنكات والنخوة الإنسانية التي سكنت روحه . آخر من كنت أتصور أنني سأكتب عنه شيئا كهذا ، آخر من كنت أتخيل أنه سوف يسبقني إلي الرحيل ، وأول الباقين في القلب والذاكرة .
|
|
|
|