|
|
| السنة - | 808 | ه - العدد | 1430 | محرم | من | 7 | - م | 2009 | يناير | من | 4 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
3:52:49 PM |
 |
الساعة - |
 |
1/3/2007 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| البستان |
 |
|
|
بستان الكتب
مع بدء العد التنازلي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (دورته القادمة تنعقد من 21يناير: 5 فبراير) بدأت المشاكل تطرق بابه.
خسر المعرض 30٪ من المساحة المخصصة له، هذا ما يعلنه د. وحيد عبد المجيد نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب، والسبب أعمال الهدم والتجديدات الجارية في أرض المعارض.
هذه الخسارة أدت إلي دوامة من الارتباك الذي تمثٌل في إرسال فاكسات برفض مشاركة 18 دار نشر لعدم القدرة علي توفير أماكن لها، ثم الاعتذار عن هذا الرفض، والوعد بحل الأزمة.
كل هذا يدفعنا للتساؤل: لماذا لا يتم التفكير في نقل أنشطة المعرض بداية من العام القادم إلي مكان أكثر تنظيما؟
كان هناك من قبل اقتراح بنقله إلي مركز المؤتمرات، وقوبل الاقتراح بالرفض. غير أن أزمة هذا العام ربما تكون حافزا علي التفكير في مكان بديل أكثر ملائمة للمعرض، خاصة مع التطورات التي بدأ يشهدها في السنوات الأخيرة مثل إرساء فكرة ضيف شرف لكل دورة، وإقامة ندوات دولية لتبادل حقوق النشر بين ناشرين أجانب ونظرائهم العرب.
ليس من المهم أن يكون المقر البديل أكثر فخامة، إنما فقط أكثر تنظيما ونظافة. قد يكون هذا المقر مركز المؤتمرات، أو حتي حديقة عامة علي غرار مهرجان إدنبرة للكتاب، أو أي مكان آخر بشرط أن يتناسب من ناحية الهدوء والنظام مع أهمية الكتابة.
منصورة عزالدين
|
|
|
مصادرات، محاكمات، وحفلات توقيع:
عام صاخب للكتاب العربي
نائل الطوخي
المزيد من حفلات التوقيع تقام في أنحاء العالم العربي، والكثير من المحاكمات للكتب أيضا.
العام الذي شهد اهتماما غير مسبوق بالكتاب، (التنافس الشديد بين الأدباء علي أمور كانت سابقا تعد هامشية، مثل حجم مبيعات كتبهم، الاعتناء بالغلاف، وبالبوستر الدعائي، إقامة المزيد والمزيد من حفلات التوقيع)، كان يخفي خلفه أيضا عنفا داميا، تمثل في الرقابة الشديدة علي الكتب، ومصادرة الكثير من العناوين في معارض الكتاب المختلفة في الوطن العربي. العام يختتم مثلا بمثول الناشر الأردني إلياس فركوح صاحب دار "أزمنة" أمام القضاء الأردني لنشره كتبا "تتضمن مساسا بتعاليم الدين الإسلامي"، مثل "ينطق عن الهوي" لطاهر رياض، و"فانيليا سمراء" لمني وفيق.
وداعا للكتاب التقليدي
لعل أهم ما ميز هذا العام في مصر هو اتساع دائرة الأدب لتشمل أنواعا جديدة. في البداية، ظهرت موضة نشر كتب المدونات ثم انحسرت (ثلاثة كتب عن دار الشروق، كتاب عن دار العين، كتابان عن دار أكتب، بالإضافة إلي الروايات والأعمال الأدبية للمدونين.) في سوق المدونات، لم يكن الناشرون حاضرين من البداية، التفتوا إلي الظاهرة وهي تكاد تنتهي ثم بدأوا يتلمسون مجال الفيس بوك، (كتاب عن دار الشروق)، ولا أحد يعلم إلي أي شيء سيفضي هذا الاهتمام. ترافق هذا منذ بدايته مع الحديث عن أعلي المبيعات بحيث أصبح من المفردات المترددة بقوة.
الأدب بمعناه التقليدي لم يعد هو المسيطر دائما، ربما منذ نجاح كتاب "تاكسي.. حواديت المشاوير" لخالد الخميسي المنشور منذ عامين، وهو الكتاب الذي حقق أعلي المبيعات في فترة قياسية. لم تعد إذن كلمة رواية هي مفتاح النجاح، وإنما نمط من الكتب يمزج القص باليوميات بالتقارير الصحفية.
غير أن هذا لا يمنع أن الرواية حافظت علي تحقيقها نسبة مبيعات عالية.
عاد خلال العام شكل آخر تعارف عليه السوق المصري قديما، وهو الصور المصاحبة للحروف الطباعية، دار ملامح كانت أبرز من قدم هذا الشكل، بكتابيها "مترو" لمجدي الشافعي، وهي _كما أطلق عليها - الرواية المصورة الأولي في مصر، و"أقراص المسكن" وهو ديوان شعر مصاحب بالرسوم للكاتب شريف سامي والرسام هاني سامي، والرسوم هنا لم تعد تلك اللوحات التقليدية التي طالما رافقت كتب نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، وإنما لوحات أخري استفادت من فنون الجرافيك ومن تقنيات الكارتون الياباني بالأساس. دار ملامح التي بدأت منذ عامين كان عليها البحث عن مناطق بكر لارتيادها، لكي تحمي نفسها من المنافسة، المنطقة الأخري التي ارتادتها كانت هي الأدب المكتوب بالإنجليزية، والأكثر بروزا هنا كان "the poison tree" لمروة رخا، و "velo" لعمرو خالد. وبهذا تعيد الدار الناشئة إلي السوق المصري تقاليد غابت منذ أكثر من نصف قرن، عندما كانت الجاليات الأجنبية لا تزال موجودة في مصر وتعبر بلغاتها المختلفة، يعود هذا ولكن بشكل يراه البعض مفتعلا، طالما أن الجاليات الأجنبية _ واقعيا _ لم يعد لها وجود!!
في بيروت كانت هناك أشياء مشابهة تحدث، أقيمت هذا العام الدورة الخامسة عشر من "معرض الكتاب الفرانكفوني" في بيروت بعد غياب دام لسنتين، وبعد انتقال المسئولية عنه من السفارة الفرنسية إلي نقابة مستوردي الكتب، وبعد تغير اسمه من "اقرأ بالفرنسية والموسيقي" إلي الاسم الحالي. وشاركت فيه عدد من الدور الفرنسية أهمها أكت سود التي حلت كضيف شرف. وأهداف المعرض يشرحها مارون نعمة رئيس نقابة مستوردي الكتب للأخبار اللبنانية: تدعيم فكرة الفرانكوفونية كظاهرة ثقافية عالمية، وإنشاء شراكة فعلية بين الناشرين والمستوردين والموزٌعين المعنيين بالكتاب الفرانكوفوني، في لبنان والعالم. وحث دور النشر الأجنبية علي اختيار عرض ما تراه مناسبا من إصداراتها.
هذا يحدث في دول المركز الثقافي، كما يمكن تسميتها، ولكن هناك دولا أخري لا تزال تعيش أزمنتها الخاصة، فاحتجاجا علي معرض الرياض للكتاب هذا العام، صدر بيان علي الإنترنت عن مجموعة من الدعاة السعوديين المعروفين، من بينهم الشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ ناصر العمر، يعبٌِرون فيه عن رفضهم واستنكارهم لمعرض الكتاب في الرياض الذي تشرف عليه وزارة الثقافة والإعلام "إذ اشتمل علي كثير من المخالفات الشرعية، وجاء مصادما للسياسة الإعلامية." كما استنكر البيان "فتح الباب لجميع دور النشر العربية والعالمية، وفيها دور تروٌج للرذيلة، وغايتها المال من أي طريق، فتنشر الغث والسمين، وما يحارب دين الإسلام وكتب الانحراف الفكري والأخلاقي ككتب الحداثة والجنس". في نفس الوقت الذي حذر فيه المفتي العام للمملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ من دور تبيع الكتب التي تضر بعقائد الشباب"
ربما كان معرض الرياض للكتاب مستفزا بالفعل للبعض، كان المعرض الأول _ولنتخيل حجم الكارثة _ الذي يشارك صوت نسائي سعودي في الإعلان عن فعالياته الثقافية، وفي نفس الوقت، كان للمدونين السعوديين نصيب أيضا هذا العام، حيث عرضت بعض كتبهم، مثل كتاب "فاتني أن أكون ملاكا" لزهرة محمد، "رائحة الموت" لعبد الله الداوود، كتابان للمدون "شبايك" هما "فن الحرب" و"خمس وعشرون قصة نجاح"، وغيرها. ما يسميها البعض بالحداثة تتسلل علي مهل إلي العالم العربي، وتقابلها مقاومة قاسية.
الأدب، الحصان المصري الرابح
حب الكتاب (عنوان احتفال دار ميريت بعشر سنوات علي قيامها)، ليس أمرا مطلقا. تحتفل دار ميريت بنفاد أعمال الكتاب الشباب الذين نشرت لهم أعمالهم، وتعلن عن الطبعات الثانية لأعمالها بشكل صاخب. يبدو أن هذا هو موسم الأدباء الشباب، والروائيين منهم بالتحديد، لم يعودوا _ إلا قليلا- مطالبين بالمساهمة في تكاليف نشر كتبهم، وصارت أسماءهم أكثر رسوخا عن ذي قبل، بين زملائهم ولكن أيضا بين جمهور من القراء لم يكن موجودا من قبل. هكذا تنفد أعمال الكتاب الشباب، ولكن في المقابل فالأعمال الفكرية والأدبية المترجمة تبقي علي الأرفف، برغم قيمتها، لا أحد يستطيع فهم ذوق الجمهور.
بالإضافة لهذا، فدور النشر الصغيرة التي ظهرت علي الساحة في العامين السابقين صارت تتنافس علي اجتذاب الأدباء الشباب. صارت المكتبات ودور النشر هي مشاريع تجارية ناجحة، فبعد النجاح الواضح لمكتبات مثل "ديوان" و"كتب خان" ظهرت مكتبات أخري أصغر، مثل "البلد" و"عمر بوك ستورز"، وبعد نجاح تجربة "شرقيات" و"ميريت" في نشر الأدب الجديد، ظهرت دور أخري تعمل في نفس المجال مثل "ملامح" و"فكرة" و"الناشر" و"اكتب" وغيرها. ولا يختلف الأمر كثيرا عند دار الشروق، التي توجهت بقوة إلي نفس المجال، الأدب، وقد بدا أنه الحصان الرابح للناشرين، ولكن باستثناء الروائي الشاب محمد صلاح العزب، فإن التركيز لم يكن علي الأجيال الجديدة من الأدباء، وإنما علي آخرين أكبر سنا وتجربة، عربا ومصريين، وتحت عنوان "نصوص متميزة" تم نشر أعمال السوريين خليل صويلح وخالد خليفة واللبناني جبور الدويهي، بجانب أعمال لفؤاد حجازي وأمين ريان وسعد مكاوي.
مشاكل الترجمة
الترجمة كانت لها هذا العام ظواهرها الخاصة، فجأة يصبح الأدب التركي هو السلعة الرابحة في دور النشر السورية، كما تكتب سعاد جروس في صحيفة الشرق الأوسط، ويبدو أن السبب ليس فقط فوز "أورهان باموق" بجائزة نوبل للأدب، وإنما المسلسلات التركية الشعبية مثل "نور" و"سنوات الضياع"، وهي صاحبة التأثير الأكبر علي جمهور المشاهدين. أكثر من عشرة أعمال أدبية تركية علي أجندة »دار قدمس«السورية وحدها، وأعمال أخري في دور نشر سورية أخري. الداعم هو وزارة الثقافة التركية، وبعض المترجمين ينتمون للشمال السوري علي الحدود التركية وبعضهم أكمل دراسته في إسطنبول. هكذا تهيأت الظروف، بعد أعوام من الاهتمام المتقطع بالأدب التركي، لكي تصدر أعمال تركية متميزة مثل "المدينة ذات العباءة القرمزية" للكاتبة أصلي إردوغان، "بناء خمسة سيفيم" للكاتبة مينه سويوت، لطيفة هانم "سيرة زوجة كمال أتاتورك" للكاتبة إيبّك تشالشلّر، وينتظر الترجمة لأدباء آخرين مثل أصلي تومشو، موغه ايليشكي، غونول كفلتشيم، غايه بوره أوليغلو وأليف شفيق.
رأس المال الخليجي يدخل في مشاريع الترجمة أيضا، وبشكل صاخب ودعائي، والحديث هنا عن مشروع مثل "ترجم" الذي أعلن هذا العام، عبر مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، أنه بصدد ترجمة 365 عنوانا في العام، أي بمعدل كتاب واحد يوميا، بالإضافة إلي مشروع "الكلمة" الذي كان قد أعلن أنه بصدد ترجمة مئة كتاب سنويا. ويصرح ياسر حارب، نائب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم لقطاع الثقافة "إن المؤسسة تعتزم ترجمة حوالي 180 كتابا متخصصا في علوم الإدارة الحديثة خلال العام الجاري، بواقع 50 في المائة من الكتب التي سيدعم البرنامج ترجمتها إلي العربية في عام 2008، في حين ستتقسم النسبة الباقية بواقع 25 في المائة في مجال الإبداع الأدبي، و25 في المائة للعناوين المختلفة في شتي دروب الثقافة سواء في العلوم الإنسانية أو الاجتماعية أو غيرها من المجالات بشرط أن يكون لها قيمة فكرية مميزة". تحاول الإمارات منافسة مراكز الترجمة التقليدية، مصر وسوريا والمغرب، ولكن حتي الآن يبدو أن الإنجاز الأساسي هو في الكم، وفي الإنفاق السخي علي الكتب والمترجمين.
الأوضاع السياسية تتدخل بقوة في النشر العربي. التوترات بين سوريا ولبنان مثلا تمنع الناشرين السوريين من المشاركة في معرض بيروت، كما يقول الروائي خليل صويلح بصحيفة الأخبار اللبنانية، سامي أحمد صاحب دار »التكوين« مثلا، يشير أن بعض الناشرين تعرٌض لمعاملة سيئة في معارض السنوات الأخيرة لمجرد أنٌه سوري، ودار كنعان السورية، فلقد فضلت البيع عن طريق وكلائها بسبب الكلفة العالية، وليس هذا الوضع مقتصرا علي الناشرين السوريين. فلم يحضر من الناشرين المصريين إلي معرض بيروت سوي دار "مدبولي" ودار "ملامح". بينما يعلن من لم يتم دعوتهم أنهم يفضلون معارض الكتاب الأخري الأكثر أهمية، والمقصود بالطبع معارض دول الخليج، مثل الكويت وأبو ظبي وغيرها. البوصلة تتجه شرقا، والبعض غير منتبه لهذا.
عرب في لندن
حل العرب ضيف شرف هذا العام علي معرض لندن للكتاب. هناك اتفقت "الدار العربية للعلوم" علي ترجمة 16 كتابا لدوريس ليسنج الحائزة علي جائزة نوبل. وجود العرب في لندن كان أكثر تنظيما بكثير من وجودهم السابق في فرانكفورت، والتطور يلاحظه الناشر خالد المعالي صاحب دار الجمل، الذي يقول لصحيفة الشرق الأوسط أن: "معرض فرانكفورت كان كارثة حيث انخفضت نسبة مبيعات الكتب العربية 50٪، والسبب هو خضوع النشر العربي للعشوائية والفوضي." تفاديا للفوضي السابقة فقد أخذ الإنجليز المهمة التنظيمية علي عاتقهم، ولم يتركوها للعرب. يلفت نظر مراسلة الشرق الأوسط في معرض لندن، سوسن الأبطح، ممثل لشركة جوجول في جناح دار الشروق المصرية. يخبرها بفكرته وهي "الاتفاق مع ناشرين عرب لوضع أجزاء من الكتب الصادرة لديهم علي محرك البحث الشهير. وعندما يدخل أي باحث علي الموقع ويريد البحث عن كتاب عربي، يكفيه أن يضع الكلمة المفتاح ليعثر علي أسماء أهم الكتب حول الموضوع. وعندما يفتح الباحث العنوان الذي يختاره، سيعثر علي عدة صفحات من الكتاب. ولو أراد الحصول علي المؤلف كاملا، فإن "جوجول" تزوده بكافة المعلومات لشرائه." المشروع كان وقتها مازال في طور الاتفاق، ولكنه مؤشر، ولو بسيط، علي الاهتمام بالكتاب العربي. يقول لها ممثل جوجول: " لاحظنا تزايدا هائلا في عدد المستخدمين العرب لخدمة "غوغل"، ويهمنا أن نتفاعل مع هذا التطور بطريقة إيجابية، وبالذهاب خطوة إلي الأمام باتجاه هؤلاء القراء، ونستجيب لحاجاتهم بطريقة تفيدنا وتفيدهم." بجانب هذا، فالنشر الإلكتروني صار علي جدول أعمال الكثير من الناشرين، تقام ندوة حول النشر الإلكتروني في معرض بيوت للكتاب ويتم تنظيم برنامج مهني للاتحاد العربي للنشر الإلكتروني، ضمن الفعاليات المصاحبة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب. ولكن يبقي هذا كله في إطار الكلام النظري، بما أن النشر الإلكتروني لم يصبح حقيقة عملية بعد.
|
|
|
في المغرب:
واقع المفارقات
عبدالحق ميفراني
قد لا يختلف واقع النشر والكتاب في المغرب هذه السنة عن سابقيه. علي الأقل في جانب تجاوز الإشكاليات البنيوية التي تهم هذا القطاع الحيوي. إذ مازلنا نسجل غياب استراتيجية وطنية حقيقية، وإرادة سياسية تستطيع إعادة الاعتبار لفعل القراءة وتداول الكتاب. كجزء مصغر من شعار حق تداول المعرفة، وتحصين الذات بإشباع رمزي. يمكن في النهاية من الوصول الي مجتمع قارئ منخرط في تحديات بناء مغرب حداثي، حيث الثقافة فيه قاطرة للتنمية. من هنا كانت الحاجة الماسة اليوم، الي تغيير النظرة الي واقع النشر والكتاب في المغرب. قراءة تراعي هذه الإشكالات والأسئلة الجديدة التي بلورها هذا القطاع. منها ما يمس بشكل مباشر "الواقع المغربي"، ومنها ما يرتبط بتحديات كونية أفرزتها طبيعة بنية النشر والكتاب في العالم. وإذا كان الميسم الاقتصادي وتقنيات "الماركتينغ" واقعا جديدا أمسي يطرح نفسه بحدة. فإن الحفاظ علي بنيات عتيقة تقليدية كقاطرات للخروج من هذا الوضع المترهل لايمكن "المغرب الثقافي" من الانخراط في تحديات الألفية الجديدة والتي باتت تتطلب مجتمعا للمعرفة، واستراتيجيات سوق مفتوحة لتداول الكتاب، وتحديث لتقنيات النشر والعرض. وإذا كان الرهان هو بلورة تصور شامل ومندمج لإمكانيات تجاوز الاختلالات، في أفق تكريس "وضع اعتباري حقيقي للكاتب المغربي وخلق كتاب يستجيب لمعايير الجودة والتنافسية سواء علي مستوي صناعته أو توزيعه". فإن سؤال القراءة وواقع الكتاب في المغرب ظل محينا بفعل الإشكالات المركبة التي يطرحها سواء علي مستوي التشخيص، أو علي مستوي تجاوز "هذه الأزمة المركبة". لقد سجل يوما القاص المغربي أحمد بوزفور في بيانه الذي قدمه علي هامش رفضه جائزة المغرب للكتاب، جزءا من هذا الإشكال العميق. لم يكن الاحتجاج المعبر عنه يرتبط فقط بالوضع الاعتباري للكاتب ولا بالموقف من المؤسسة الرسمية الراعية. كان البيان يشير في جزء من قراءته الي الاستراتيجية السياسية المتبعة في هذا الباب. والتي تجعل المغرب يفقد الكثير من هويته وصورته. بل إن الدراسات والبحوث ذات الطبيعة السوسيولوجية، والبحث العلمي قدمت الكثير من خلاصاتها ومراجعاتها النقدية في هذا الباب. كما أن حدث إقدام مؤسسة خاصة بالتوزيع في المغرب، فيما بات يعرف اليوم ب"قضية إعدام كتابين من منشورات القلم المغربي"، زاد من تعميق سؤال النشر في المغرب.
هذه السنة أيضا، عرف المشهد الثقافي في المغرب حراكا علي مستوي الإنتاج الفكري والمعرفي والأدبي. نموا ملحوظا علي مستوي الإنتاج النصي والعناوين الصادرة والتي تهم مختلف أشكال التعبير والتفكير. ولا يقتصر هذا الحراك علي الكتب بل امتد الي السينما والمسرح والفن التشكيلي... في مقابل هذا الحضور اللافت والتنامي غير المسبوق أيضا في تاريخ المغرب الثقافي. يسجل المتتبع للمشهد الثقافي اليوم، هذا التراجع علي مستويات أخري تهم تداول هذه المعرفة. سواء وضعية الكتاب المغربي، أو مستويات المقروئية في المغرب. ولن ينفع هنا، أن نسرد لائحة الأرقام المهولة. كما لا يمكننا التأكيد أن جزء من هذه الإشكال يهم فقط الفرقاء (الكاتب، الناشر، الكتبي).. بل علي المغرب السياسي اليوم، أن يقدم الجواب (التشريعي، والسياسي) علي أزمة تهم المواطن في تفكيره، وفي هويته وفي مستقبله في الوجود ككينونة. أن نصل الي جعل القراءة "سلوكا متجذرا في المواطن"، هو جزء من اعتراف الدولة بمؤسساستها اليوم، بحذف الثقافة من لائحة "غير المرغوب فيه"، وجعلها فعلا بيداغوجيا أولا، ومطلبا مؤسساتيا ومقاولاتيا لإحداث تلك الدينامية المأمولة للمساهمة في توسيع دائرة الإنتاج والتداول للكتاب وللمعرفة ككل.
|
|
|
مكتبة رانمارو الالكترونية:
احصل علي كتابك موقعا!
أحمد ناجي
تؤكد تجربة مكتبة »رانمارو« الإلكترونية أن الانترنت لا يلعب دورا فعالا في الحياة الثقافية فقط، بل يمكن أن يصبح مجالا مناسبا للاستثمار الثقافي، فكما يحكي أحمد خشبة الطالب بكلية طب والمقيم بالشرقية، بدأ المشروع منذ حوالي العام بمدونة بسيطة علي الانترنت بعنوان "رابطة العصبة الحداثية" كانت المدونة/ الرابطة مساحة لأحمد ومجموعة من أصدقائه علي الانترنت يقومون فيها بوضع تعليقاتهم وعروضهم النقدية لعدد من الكتب والعناوين الأدبية، ومع الوقت جذبت المدونة الكثير من القراء الذين أصبحوا بعد ذلك كتاب في المدونة وبالتالي زاد عدد أعضاء الرابطة، وهكذا لم يقتصر نشاط المدونة علي تقديم عروض الكتب بل أيضا تغطية الندوات الفكرية والأدبية ومعارض الكتاب، فأعضاء الرابطة يتوزعون علي مختلف الدول العربية، وهكذا فكل معرض كتاب يقام في أي دولة عربية يقوم أعضاء الرابطة في تلك البلد بتغطية المعرض والكتابة عن الكتب الجديدة التي ظهرت خلاله.
هذا النشاط الالكتروني التطوعي الذي كان يقوم به خشبه وأصدقاؤه، لفت نظره إلي واحدة من المشاكل الأساسية التي تواجه سوق الكتاب العربي وهي مشكلة التوزيع، فكثيرا ما كان يتلقي خشبة علي المدونة تعليقات من القراء العرب والمصريين يسألون فيها عن كيفية الحصول علي الكتب التي يقدمون لها عروضا علي المدونة. وحتي خشبة نفسه يحكي كيف كان يضطر معظم الوقت إلي مغادرة محل إقامته والمجيء إلي القاهرة كي يحصل علي الكتب الجديدة، وهنا ظهرت له فكرة مكتبة »رانمارو« الإلكترونية لبيع الكتب والتي يشرحها علي صفحة المكتبة علي موقع الفيسبوك "الكتاب هو أساس المعرفة والثقافة، والحصول علي الكتب أمر صعب وشاق، لهذا كان لزاما علينا التفكير في حل جذري لتلك المشكلة العويصة، لهذا أنشأنا مكتبة رانمارو أونلاين لبيع الكتب عن طريق الانترنت.. فمع التقدم التقني الهائل ووصول الإنترنت لأغلب سكان المنطقة العربية، صارت التجارة من خلاله أسهل وأيسر من التجارة الواقعية، وبالتالي فكرنا في افتتاح المكتبة لكم.. حتي تكون الكتب كلها متاحة لمن يرغبها مهما كان مكانه الحالي«.
هكذا فمن خلال صفحة المكتبة علي الفيسبوك أو موقعها الالكتروني، يمكن للجمهور الإطلاع علي قوائم كتب المكتبة، والتي تحصل عليها بدورها من دور النشر المصرية، ثم يقوم القارئ بعد ذلك باختيار الكتب التي يريده ليقوم أحمد خشبه بتجميعها وشحنها له، كما يمكن للقارئ أن يطلب عناوين محددة حيث يقوم العاملون في المكتبة بالبحث عنها وتوفيرها له، أما طريقة الدفع فهناك ثلاث خيارات الأولي عبر التحويل البنكي، أو من خلال الويسترن يونيون، أو من خلال التحويل البريدي عن طريق حوالة بريدية عبر البريد المصري وذلك للمقيمين في مصر فقط.
نشاط مكتبة »رانمارو« يبدو إلي حد كبير شبيه بنشاط عدد من مواقع بيع الكتب العربية علي الانترنت كالنيل والفرات وأدب وفن، لكن خشبه يدافع عن تميز مشروعه قائلا أن هذه المواقع لا تقدم الحميمية في التعامل التي تقدمها »رانمارو«، ففي هذه المواقع تتعامل مع حاسبات وأنظمة إلكترونية بينما نحن في الأساس مجموعة من الأفراد ومن محبي الكتب، كما أننا نقدم خدمات لا تقدمها هذه المواقع مثل خدمة الحصول علي الكتب موقعة، فأحيانا ما يطلب منا قارئ ما الحصول علي رواية عمارة يعقوبيان مثلا موقعه من د.علاء الأسواني، وفي هذه الحالة نقوم بشراء الكتاب خلال حفل التوقيع، أو نقوم بشراء الكتاب ثم الاتصال بالكاتب للحصول علي توقيعه.
الطريف في التجربة هو اسم المكتبة "رانمارو" والذي يشرحه الخشاب قائلا أنه عنوان روايته التي يكتبها منذ فترة ونشر أجزاء منها علي الانترنت، وهي رواية خيالية تدور في أجواء الفانتازيا حول مغامرات البطل "رانمارو"، وقد اختار خشبة استخدام نفس الاسم للمكتبة استغلالا لنجاح الرواية والتي تحمست لنشرها مؤخرا دار نهضة مصر.
أما عن أهم المشاكل والعوائق التي واجهت تجربة المكتبة، فتتلخص كما يقول في عدم جدية بعض المستخدمين، فأحيانا يطلب منهم أحدهم بعض العناوين، ويقومون فعلا بشرائها، لكن يتأخر تحويل النقود أو يلغي "الطلبية"، لذلك فقد غيروا نظم التعامل ليصبح تحويل النقود مرتبطا بإعداد "الطلبية"، أما عن الرقابة والجمرك فحتي الآن لم تواجههم هذه المشكلة، وذلك لأن معظم الطلبات التي تصلهم تأتي من داخل مصر أو لقراء عرب مقيمين في أوروبا وأمريكا وهذه الدول لا تفرض رقابة علي الكتب التي تدخلها، لكن خشبة يتوقع أن يواجهوا هذه المشكلة في حالة إرسال كتب أو عناوين إلي السعودية أو دول الخليج.
|
|
|
معرض القاهرة يخسر 30 ٪ من مساحته:
أرض المعارض لم تستعد بعد لعرس الكتاب!
أحمد وائل
لاتزال الهيئة العامة للكتاب تبحث عن وسيلة لتعويض المساحة التي فقدها معرض القاهرة الدولي للكتاب بسبب أعمال الهدم والتجديد في أرض المعارض.
حيث بات مؤكدا الآن أن معرض القاهرة فقد 30٪ من مساحته بسبب هذه التجديدات. المشكلة التي تواجهنا في هذه الدورة هي تناقص مساحة العرض بنسبة 30٪ عن الدورات الماضية" يقول وحيد عبد المجيد نائب رئيس هيئة الكتاب قبل أن يتابع:" طلب أي دار نشر لمساحة عرض تصل إلي 200 متر مثلا سيكون مرفوضا في الدورة الحالية".
لكن كيف ستعوض الهيئة تناقص مساحة أجنحة العرض؟ وفقا لعبد المجيد الحل الذي تتم دراسته حاليا بالهيئة وهو تخصيص "خيام" للمشاركين، ولكنه يعترف قائلا إن هذا الحل لن يكون مرضيا للناشرين "بسبب إمكانية سقوط الأمطار خلال فترة المعرض".
نسأل نائب رئيس الهيئة هل هناك بديل آخر؟ فيجيب قائلا :" قاعة المؤتمرات، وهذا الاقتراح قدمته منذ عدة سنوات، وتراجعنا عن تنفيذه، لأن الناشرين لن يقبلوا بسبب ارتفاع تكلفة الأجنحة في حالة قاعة المؤتمرات بمدينة نصر" .. اللافت أن المساحة الممكنة للعرض ب" قاعة المؤتمرات" أقل من مساحة "أرض المعارض" إلا أن عبد المجيد يبرر خياره:" بخسارة أرض المعارض ل 30 ٪ من مساحتها ستكون قاعة المؤتمرات خيارا أفضل. الزيادة في ثمن المساحات لن تتجاوز الملاليم، ولكن الناشر يخاف إذا تم تغيير موقع المعرض من فقدان إقبال الجمهور".
خرجت هذه المشكلة للعلن بعد الفاكسات التي أرسلت لعدد من دور النشر العربية تخبرهم بعدم إمكانية توفير أجنحة لهم في الدورة القادمة، وهو الأمر الذي نقلته بعض الصحف علي أنه "منع بسبب أوامر عليا"، في حين أكد أحمد صلاح مدير إدارة المعارض بهيئة الكتاب لأخبار الأدب الأسبوع الماضي أنه بسبب هدم ثلاث صالات عرض بأرض المعارض.
غير أن د. وحيد عبد المجيد ينفي أن تكون هيئة الكتاب قد أرسلت فاكسات رفض لأي دار نشر:" لم نرسل فاكسات رفض، الهيئة لم ترفض استقبال أي دار من ال18 دار نشر المقصودة، وأي كلام في هذا الصدد غير صحيح!".. قبل أن يوضح قصة فاكسات الرفض قائلا أن الثماني عشر ناشرا تقدموا _ مؤخرا- بطلبات للاشتراك في الدورة القادمة من المعرض، وكانت الهيئة انتهت من قبول طلبات دور النشر لعدم وجود مساحات، فقام موظفو إدارة المعارض بالهيئة برفض المشاركة، من تلقاء أنفسهم ودون الرجوع إلي مكتب رئيس الهيئة أو نائبه! لكن الأمر تم تداركه _ حسبما يروي عبد المجيد- "بتدخل من د.ناصر الأنصاري ومني قمنا بتوفير مساحة عرض لهذه الدور، مع تقليل مساحات الأجنحة المطلوبة".
من جانبها زارت »أخبار الأدب« أرض المعارض بمدينة نصر لتجد أنها قد أعلنت حالة الطوارئ، حيث لا يمكن الدخول لموقعها بسهولة، والسبب أن الهيئة العامة للمعارض تقوم بتجديد سرايات العرض، والتجديدات الحادثة بها ممنوع النشر عنها! ..جميع الأبواب كانت مغلقة في وجوهنا، سمحوا لنا فقط بالدخول إلي مكاتب إدارة الهيئة بشرط واحد وهو "عدم التصوير".
توجهنا إلي مكتب إدارة الإعلام طلبا لإذن دخول إلي السرايات لمعرفة مدي تأثير التجديدات وأعمال الهدم الجارية علي المعرض الذي سيفتتح خلال أيام 21 يناير الجاري)، لكن "شادية طاهر"، مدير عام إدارة الإعلام، رفضت السماح بدخولنا قائلة: "أنتوا عاوزين تصوروا الهدد"!
لم تفدنا إدارة الإعلام بأية معلومات حول مدي تأثير التجديدات علي أداء الدورة الحادية والأربعين من معرض الكتاب.
انتقلنا للدور الأرضي بالمبني الإداري لهيئة المعارض بحثا عن المهندس أحمد رمزي، مدير الإدارة الهندسية، لكنه لم يكن موجودا بمكتبه! ومن ثم انتقلنا إلي أرض المعارض لنجد أن السرايات التي ستستضيف المعرض خلال أقل من شهر لاتزال خاوية. القاعة الرئيسية، المواجهة لقاعة »6 أكتوبر«، متهدمة، حيث تم تسويتها بالأرض ومن المقرر إقامتها من جديد، فهل سيتم الانتهاء منها قبل افتتاح المعرض؟ أم إن الافتتاح سينتقل إلي قاعة أخري! توجهنا بالسؤال إلي د. وحيد عبد المجيد فقال أن الافتتاح من المقرر أن يكون بسراي "15".
السرايات الاخري، مثل سراي "3" المعروفة باسم ألمانيا مغلقة، وتنتظر التجديد، ومثلها سرايات "5" و"4" و14 المعروفة ب"أمريكا". السراي الوحيدة التي بدأ التجهيز بها هي سراي رقم "2"، حيث يقوم بعض العمال بتجديد سقفها.
كما تنشئ الهيئة العامة للمعارض سراي جديدة خلف المساحة المخصصة للمقهي للثقافي، داخل السراي الجديدة يتواجد "لودر" الخرسانة المسلحة، الذي يستخدم في بناء القاعة.. كل أعمال الهدد وإعادة البناء تلك تجعل من المنطقي التساؤل حول الكيفية التي سيتم التغلب بها علي نقص مساحة أجنحة العرض في المعرض عنها في الأعوام السابقة. وأيضا حول مدي تأثير ذلك علي نجاح المعرض وشكله الحضاري.
|
|
|
قائمة الإندبندنت لأفضل عشرين كتابا في 2008:
أمل أوباما،رحمة موريسون ولعب مانديلا مع العدو
مجدي عبد المجيد خاطر
رواية بريطانيٌة
أشياء صالحة للحكي. حنيف قريشي. دار فابر.
بعد ربع قرن من الإثارة البارعة والرشيقة، يدخر حنيف قريشي كل موهبته العبثية من أجل نفاذ البصيرة والانتهاك، صانعا من الشأن العام وشئون القلب ضفيرة واحدة. تأخذ هذه الرواية عن الحياة والهوي في لندن راويها المجحلٌل النفساني في رحلة داخل ماضيه وماضي ثقافته المتشابك. يعترف جمال خان بأسرار _ مشوشة وإيروتيكية لكنها دائما ما تمس شغاف القلب - وارتقائه من شاب من سكان الضواحي تسيطر عليه النزاعات خلال السبعينات إلي شاب بمنتصف العمر تغمره روح مرحة فوضويٌة يسكن قلب المدينة. يصهر قريشي الكوميديا الاجتماعية مع التعاطف الإنساني بقدرة فريدة من أجل سبر أغوار انفجار ظاهرة البوهيمية. رواية جريئة خادعة، ستبقي في أذهان قراءها لفترة طويلة بعد انقضاء السأم المهذب لأبناء عمومتها الأكثر تهذيبا.
كتاب الأطفال
أجمٌة. تيري براتشيت. دابلداي
هل يجوز احتساب كتاب "أجمٌة" كرواية أطفال فحسب؟ كما هو الأمر مع مغامرات "أليس في بلاد العجائب" أو "رحلات جاليفر"، ستسترعي الرواية انتباه القراء المبتهجين أيا كان عمرهم. هنا، ينبذ براتشيت عالمه الفانتازي من أجل خرافة تقاوم بمفردها عن الإخضاع والحضارة والتنوير مع مِصدٌ يقف حائلا في الطريق. في كون مجدول قليلا يتوازي فيه ماضي أوروبا الاستعماري، تلتقي دافني المجحطمة بماو أخر الناجين من أجمٌته، فوق الجزيرة التي اعتاد أهله أنٌ يقطنوا فيها قبل إعصار تسونامي. يتحتم علي ماو أنٌ يجحرر نفسه من القبضة الفولاذية للتقاليد، ودافني من قيود العِرق والتحيز للطبقة. ضفيرة لرحلة حكيمة مّرِحة عبر أفكار كالعشيرة والهوية والانتماء، مجغلٌفة بخفٌة براتشيت المصقولة.
رواية عالمية
طفلة مجباركة. لين أولمانٌ. بيكادور
تجمثٌل الرٌواية القادمة من الشمال [ الكاتبة من النرويج ] ما هو أكثر من التلصص المجظلم، كما يجبرهن هذا المزيج البارز من التاريخ العائلي والكوميديا الهجائية اللاذعة. تكتب لين أولمانٌ ابنة الكاتب والمخرج السويدي إنجمار برجمان، بكل العجمق والحدة بالتحليل النفساني الٌذي قدٌ تتوقعه منها. مع هذا فالرواية عن غياب المؤسس وبناته المشاكسات تذهب لما وراء القصة المجقنٌعة التي أشتهر بتصويرها المخرج السويدي. تتقارب ثلاث شابات هنٌ بنات الطبيب النسائي صاحب الكاريزما اسحق لوفينستاد يعشنٌ في أوسلو بعد انفصال طويل تجبحرنٌ إلي جزيرة سويدية ببحر البلطيق حيث يعيش الأب مجنعزلا، ما يجثير ذكريات صيف مرير. بترجمة جميلة للإنجليزية أنجزتها سارا ديث، يتضح بها تفوق أولمانٌ في المساحة المجتعلقة للقلب بنفس القدر الٌذي تفوقت فيه بسبر أسرار جزيرتها.
فن
سبعة أيام في عالم الفن. سارا ثورنتون. غرانتا
من الجائز، كما استحال عصر الفن الراقي إلي ذكري، أنٌ تجقرأ جولة ثورنتون الذٌكيٌة المليئة بالحيوية بسوق الفن ومحركيه كتاريخ مضي. لا بأس: فسيبقي كتابها تذكارا غاليا بجذِلّ فيه تفكير شاق لتلك الفترة الألفية الغريبة عندما قدٌم الفن المجعاصر موعدا متألقا للموهوبين والطموحين ومدمني المخدرات مجريقا عددا وافرا من النقد الحجرٌ الطافي. من وقت اتخاذ القرار بجائزة تيرنر بليالي جلسات المزاد العلني الساخنة بصالة كريستي، ومن بازارات البيع المسعور في سويسرا إلي المهرجان القروي الفخم لبينالي فينيسيا، تنقض ثورنتون بعين مجدربة ومخالب حادة علي صانعي ومحطمي السجمعة، مجسلطة الضوء علي الآلية العجيبة التي تجبقي علي المجحتّرّفات وصناعة الفن في الصدارة.
رياضة
اللعب مع العدو. جون كارلين. أطلانطيك
تولٌد الرياضة وفرة من الكتابات الجميلة، لكن عددا قليلا من الكتب ما يجماثل هذا الكتاب في موضوعه التاريخي الكاسح والرٌجة العالمية التي سببها. تتبع جون كارلين مجراسل صحيفة الإندبندنت في جنوب أفريقيا، الطريق الملتوي الذي أنتهجه نيلسون مانديلا حديثا من أسره، صانعا السلام برفقة زملائه من المسجونين الأفارقة مع انتقال حزب المؤتمر الوطني الأفريقي إلي موقع الحكم. تأتي ذروة نقطة الالتقاء في ميدان لعبة الرجبي، أثناء كأس العالم عام 1995 الٌذي صدٌق علي كبرياء أجمٌة قوس قزح في هويتها الما بعد الفصل عنصرية. يبرز مانديلا، في بوتريه أنيق، كداهية وشهم في آن _ ليصير مِصدٌ بلعبة الرجبي حين يجمسك بالدور الكامن للعبة. يجراوح كارلين الأحداث دون أنٌ ينزلق بها، مستكشفا حالة نادرة من الاستحواذ الرياضي الذي يشفي دون أن يجضِر.
موسيقي
لم يبق إلا الضجٌة. أليكس روز. فورث إستات
من ماهلر وشوينبرج إلي Björk والمخمل تحت الأرض، يروي الناقد الموهوب، الأبرز بالنيويوركر قصة التأليف الموسيقي خلال القرن العشرين _ ويجعلها تبدو طازجة. وكما يدلٌل بالضبط الفصل المجتعلق ببنجامين برايتن، فهنا كاتب لديه القدرة علي ربط الحياة بالعمل دون تهميش أيهما، وهو يملك أيضا القدرة علي التنقٌل بين دوق إلينجتون إلي جين سيبليس دون إفلات نبضة، ودون أن يكون محض راكب موجة متزلف. ثمٌة رؤية متماسكة خلف الكتابة الجميلة بين الموسيقي الكلاسيكية والجاز وتقاليد البوب، للنبوغ الموسيقي الٌذي مجنِحّ القوة وهدِد في آن واحد من التغيرات التي طرأت علي الجمهور والمجتمع والتقنيٌة. هذا التاريخ للموسيقي الحديثة يتجلي كتاريخ حميمي للروح الحديثة علي السواء.
أفكار كجبري
كتاب أوكسفورد للكتابة العلمية الحديثة. تحرير: ريتشارد داوكينز. منشورات جامعة أوكسفورد
ينحي رمز العلمانية جانبا كل التشوش المجتعصب لتقديم مختارات سخيٌة من أكثر الكتابات العلمية شعبية علي مدي المائة عام الفائتة. من ج.ب.س.هالدان وفرانسيس كريك إلي ستيفن بينكر وجاريد داياموند، يلتقط داوكينز ويجزاوج بعين ليست فحسب تواقة لعظمة الفكرة بل لأناقة العبارة. وإذا كانت بعض العبارات ترهق المجتصفح العادي، فإن كثيرين سيتواصلون مع الإثارة المتولدة من التنقيب في أسرار الكون الٌذي نعيش فيه بفصاحة وحتي بحس ساخر. يوازن داوكينز أي مخاطرة تنجم عن التحيز البيولوجي بوفرة من المقالات المجحلقة عن الكون والرياضيات.
الشٌعر
قصائد جديدة مجختارة لجورج سيزرتيس.بلودأكس.
أحيانا ما تفتح مجختارات من أعمال شاعر ما أفاقا من الإنجاز كأنٌها تجنشر للمرة الأولي. لا يزال جورج سيزرتيس صوتا قويا في التيار الرئيسي للشعر العالمي اليوم: جاء سيزرتيس إلي إنجلترا كلاجئ من بودابست عام 1956 ولم يتخطي الثمانية من عمره. سوي أنٌ هذه المجموعة الضخمة من أشعاره تكشف _ عبر أكثر من خمسمائة صفحة من الشعر الجميل _ لآي مدي بلغت قامته شموخا ولأي مدي وصلت بصيرته. يدمج سيزرتيس الوضوح الشكلي بالنكهة القوية مع الجرأة والطموح للمشاعر والأفكار. أي " صعوبة " تتربص هنا في تاريخنا _ أزمنتنا الملازمة لنا والعواطف المضببة، وليست عن غموض مقصود..
تاريخ
ألفيٌة. طوم هولاند. ليتل براون
يعود طوم هولاند مجفعما بالنشاط من انتصاراته في التأريخ لروما وفارس، ليسلط سرده الأنيق لرواية تاريخ ما يجعرف "بالعصور المظلمة " التي تلت انحطاط الإمبراطورية الغربية. يعرض الكتاب للقرون المضطربة التي شهدت انتصار الدولة البيزنطية وصعود الخلافة الإسلامية _ فضلا عن الكوارث المتوالية للحملات الصليبية. بإلقائه الضوء علي بزوغ "النصرانيٌة " Christendom في السنوات قبل وبعد الألفية الأولي من الميلاد، يكشف الكتاب زيف وتهافت غرب القرون الوسطي وتورطه في مستنقع سياسي وأخلاقي، من الوحل والدٌم والخوف من المجهول. وبخلاف غيره من كجتب التاريخ التي حققت نجاحا باهرا، يولي هذا الكتاب اهتماما بالغا بالعقائد مساويا للحروب التي أثارتها. جميعنا نعيش العواقب المحمومة لهذه الأحداث، وهو ما يجعل كتاب هولاند دليلا أكثر مجعاصرة.
طبيعة
تأمٌل الطيور. كولين طادج. الين لان
تسكن كتب الطيور علي أرفف متاجر الكجتب بأعداد وفيرة، برغم أنٌ أغلبها تنقسم بين كجتب مصورة وذات طبيعة شخصية _ مكتوبة من زاوية واحدة أو أدلة مجنتزعة من كجتب أخري. لكن كولين طادج يمزج بين الشعر والعلوم لأكثر سلالة الديناصورات تمتعا بالحب. بادئا بالتطور ومعجزة الطيران، يمسح طادج كل العشائر ذات الريش في الكون في شرح واضح مصحوبا بأمثلة مجصورة رائعة. وتحلٌق الأقسام اللاحقة بمستويات عجليا من علم الطيور، في سرد جذاب لشؤون التزاوج والهجرة _ وخاتمة عن عقل الطيور الٌذي يجرحب بالحياة الغير بشرية العجيبة. يكشف طادج كيف نتشارك مع الطيور في مسائل نري بها الحيوانات عبر رؤية مجختزلة باعتبارها: روبوتات.
مطبخ
أوطولينغي. يوطام أوطولينغي وسامي تاميمي. إبيوري
فيما يجقال أنٌ مطاعمهم الجذابة التي تقع في أماكن عصرية في مدينة لندن، تجشبه صالات عرض للفن الحديث الراقي، إلا أنٌها مليئة بالكعك، فإنٌ كتاب يوطام أوطولينغي وسامي تاميمي الأول عن الطهي يشبه كتابا أنيقا عن الفن، لكنٌه يجريك كيفية إعداد الكعك. صدفة سعيدة في سنة طاحنة، تعوٌِل المجموعة علي خلفيتها الإسرائيلية ( أحدهما يهودي والآخر فلسطيني ) كريمة لكن لا تدعم الطبخات الأقل. مقوماتهم المجفضلة من النوع المثير: الليمون والرٌمان والثوم والفلفل.. يدعو المتخصصون بالطبخ طبق الجمبري بالزبد والطماطم والزيتون: قطعة فنيٌة.
بساتين
ساعات في مورفيل: قصة حديقة. كاثرين سويفت. بلومسبيري
مبنيا بصيغة مماثلة لكتاب تمهيدي من القرون الوسطي يجقسٌم ساعات اليوم، يحكي هذا الكتاب قصة حديقة ورثتها المؤلفة عام 1988، يعود تاريخها إلي آلاف السنين. كانت المؤلفة قد عادت إلي الدوار هاوس، المورفيل هول، بعد أنٌ عملت أمينة مكتبة متخصصة بالكتب النادرة في أوكسفورد ودبلن، كما انخرطت في العمل في البساتين والكتابة. وضعت المؤلفة كتابها بحب وفكر وانتباه كبير للتفاصيل يماثل ما منحته لعملها في البساتين، وقصة من شاركوها إدارة رقعة الأرض خاصتها في شروبشاير لاند.
سيرة ذاتية
ألاسدير غراي: سيرة ذاتية يكتبها سكرتيره. رودج جلاس. بلومسبيري
بقدر ما هو كتاب عن المراوغة بكتابة سيرة ذاتية، فهو قصة حياة كاتب شهير، هذه هي السيرة الذاتية الرسمية لألاسدير غراي، كتبها نادله وكاتبه علي الآلة الكاتبة وسكرتيره وصديقه المضطرب. من النادر أنٌ نجد كاتبا اسكتلنديا مجعاصرا يدعي أنٌه لم يتأثر بغراي، وجلاس، مخدومه وأحد أكبر مريديه، ليس استثناءا. بادئا بدعوي مبتهجة من غراي لجلاس كي يكون " كاتب سيرته الصديق "، يواصل جلاس عبر تشوشه والتعتيم الذي فرضه غراي من أجل الوصول لصورة تقريبية لأي الأشخاص كانه غراي، مستعينا بروايات الكاتب الاسكتلندي.
مجذكرات
أنا شيتا: السيرة الذاتيٌة. فورث إستات يمكن تصنيف هذا الكتاب تحت أي فئة ( مجذكرات / أدب رحلات / سينما / تاريخ / رواية / أدب ساخر / ..) وجصِفّ هذا الكتاب باعتباره السيرة الكاملة للقرد الأسطوري بطل مجموعة أفلام طرازان. تخرج السيرة بأوصاف لشيتا باعتباره شبقا، عارفا، ماهرا وشريرا للغاية ( في إحدي طقوس هوليوود العربيدة، التي تسمي نيمز، تدعي شيتا أن الممثلين مثل: مجموعة من البونو بوص الداعرة ). كتاب عن أقدم قرد شمبانزي في العالم تشكٌل علي حافة مسبح البيت الذي يقضي فيه المؤلف فترة تقاعده، من الرسوم الرائدة للشخصية.
أدب ساخر
هل لي بشطيرة شيزبيرجر؟. إريك ناكاجاوا. هودٌر وستوغتون
بدأ الأمر بصورة فوتوغرافية مفردة رآها صاحب هرٌ مرح، ثمٌ تحول إلي ويبسايت ثمٌ مدونة ليصير بالنهاية موضع إعجاب عالمي يبيع الملايين، هل لي بشطيرة شيزبيرجر ؟ كتاب يبدو كظاهرة سريالية كأعلي الكجتب مبيعا خلال احتفالات رأس السنة.
سياسة
جرأة الأمل. باراك أوباما. كانونجيت
كجتب أغلب هذا الكتاب في نهاية يوم عمل مشحون لعضو مجلس شيوخ، بعد أن غادر الأطفال للنوم وقبل أن يأوي هو للفراش في الواحدة صباحا، جرأة الأمل عما يجب أن تكونه رسالة السياسة، من رئيس سيعيد تعريف النوع بقدر ما سيعيد هو نفسه تعريف دور الرئيس. كتاب مشحون بالعواطف، والالتزام، والفصاحة التي تستجلب الدمع الذي نراه ونذرفه دون سيطرة في خطاب انتصاره، يكشف الكتاب كيف صار مرشحا لرئاسة للولايات المتحدة، وبلا أي تدخل للحظ لماذا سيجعل من هذا المنصب فرصة جيدة للتغيير. وصل الكتاب سريعا لقائمة صحيفة النيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعا وهو في طريقه لتكرار هذا النجاح في بريطانيا.
أدب رحلات
أمازون. بروس بارٌي. مايكل جوزيف
يغطي الكتاب، كما في الحلقات التلفازية، أكثر من ستة آلاف كيلومتر من نهر الأمازون، أغلبها قطعها المؤلف علي قدمه أو بقارب، بادئا بمنابعه عند جبال الأنديز البيروفية ومنتهيا بغابات الأمازون المطيرة، فضلا عن لقاءات الكاتب ببعض الشخصيات الرائعة علي الطريق. في الكتاب، التزم بارٌي كما بالفيلم بتقديم ما رآه، لكن بسبب طبيعة المادة المطبوعة فهي أكثر رهافة وتأملا من النسخة المتلفزة.
سينما وتلفزة
باركي: سيرتي الذاتية. مايكل باركينسون. هودٌر وستوغتون
تجعد السيرة الذاتية الجديدة لرجل يوركشاير المجحترف واحدة من الكتب الغير عادية التي عصفت بقوائم الكتب الأكثر مبيعا هذا العام: مذكرات أحد المشاهير التي كتبها بنفسه. يبدأ الكتاب بحكاية طفولة قاسية في مدينة يعمل أهلها بالمناجم، وينتهي ببلوغه قمة السلم.
جريمة
شكوك السيد ويشر.
كايت سمرسكال. بلومسبيري
يمكن التفكير بكتاب سمرسكال كرواية وثائقية أو كسيرة ذاتية أو تاريخ وتحليل مثير لجريمة حقيقية وقعت عام 1860. الشخصية المحورية هي جاك ويشر، محقق بالاسكوتلانديارد، والجريمة هي القتل الوحشي لصبي بلغ من العمر أربع سنوات. كالعادة، فإنٌ قتل صبي هو حدث قومي يتابعه الجميع وقد ألهم الحدث روائيين مثل ديكنز وويلكي كولينز. وقد حصل الكتاب علي جائزة صموئيل جونسون لعمل غير روائي هذا العام.
رواية تاريخية
رحمة. توني موريسون. شاتوو ويندوس
المعجبون بأدب توني موريسون يجثارون عادة بأي شيء تكتبه بطلتهم الجادة، لكن هذا الكتاب، وهو روايتها التاسعة، أحد أفضل كتبها بحق. تدور أحداث الكتاب في ثمانينات القرن السابع عشر بأمريكا المستعمرة، تجروي القصة من منظور ثلاث نساء غريبات في بيت أغلب قاطنيه من الرجال: امرأة من سكان أمريكا الأصليين، ابنة قبطان بحري وعروس بالطلب عبر البريد الإنجليزي. تقول موريسون أن الشخصيات مثل المهاجرات المعاصرات: ناس عاديون يجيئون دون مساعدة " وجميعهم يكافح من أجل الحصول علي طريقهم في ببيئة متوحشة. قصة عن الخيانة والفقدان والحاجة والانتماء تجفرز أسئلة هامة عن الطريق الٌذي اختارته أمريكا لنفسها.
|
|
|
قصيدته مختبر نموذجي لتحولات قصيدة النثر العربية:
أمجد ناصر.. بدوي وافد إلي حضارة الكونكريت!
 | | الكتاب: الأعمال الشعرية الكاملة |
|
فخري صالح
صدرت عن وزارة الثقافة الأردنية الأعمال الشعرية للشاعر امجد ناصر وتضم الأعمال الشعرية مجموعات الشاعر: مديح لمقهي آخر، منذ جلعاد كان يصعد الجبل، رعاة العزلة، وصول الغرباء، سر من رآك، مرتقي الأنفاس، حياة كسرد متقطع. هنا نظرة علي تجربة ناصر الممتدة من نهاية سبعينيات القرن الماضي.
يمثل شعر أمجد ناصر، علي مدار الثلاثين عاما الماضية، مختبرا نموذجيا لتحولات القصيدة العربية في الفترة نفسها: فهو يلتقط دبيب التغير في الشكل الشعري والانشغالات التي ينجدل منها ذلك الشعر، وانزياحات الذائقة، والأهم من ذلك كله انه ينعطف باتجاه التصورات النظرية لمعني الشعر وضرورته في مرحلة يمكن القول انها نسفت الكثير من المفاهيم السائدة حول الشعر والشعرية.
وعلي الرغم من أن قصيدة أمجد ناصر، في مجموعاته كلها، علي ما أزعم تحتفظ بنفس غنائي ضارب في أعماقها، إلا ان مشروع امجد الشعري مضاد للغنائية بطبيعته، يحاول كسر تلك الشفافية العاطفية والصوت الفردي الصافي الملتاع، الذي يسم معظم الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
من هنا تبدو تجربة امجد اختبارا لصمود القصيدة العربية الجديدة، المتأثرة بالتيارات الشعرية الاتية من شعريات عالمية مختلفة، وتطور هذه القصيدة باتجاه فهم نظري وعملي للشعر يسقط الكثير من التصورات التي تدعي ان شعرية الشعر تقع خارجه لا في بنائه الداخلي المخصوص، كما انها تفصل بسيف بتار بين الشعر والنثر، وكأن هاتين الصيغتين الواسعتين من صيغ التعبير تمثلان ثنائية ابدية يستحيل تذويبها، بحيث يصبح بالامكان تطعيم الشعر بلغة النثر او تطعيم لغة النثر بالشعر، كما هو الحال في الممارسة اللغوية علي مدار العصور وقد اثبتت تحولات الشعرية، في الثقافة العربية في الوقت الراهن، كما هو الأمر في اللغات والثقافات الاخري، ان سجن الشعر في قالب ضيق الأفاق، محدود الاختيارات، فقير الخيال، يهوي بالشعرية الي هاوية الصنعة والتقليدية والترداد الببغاوي لصور واستعارات وعوالم تموت مع كثرة الاستعمال وتعجز عن استثارة خيال المتلقين.
يبدأ امجد في مجموعته الشعرية الاولي »مديح لمقهي اخر« (بيروت، ٩٧٩١) من قصيدة التفعيلة شكلا محوريا لكتابته الشعرية في سبعينات القرن الماضي. لكن ذلك الشكل يبدو مقلقا لا يعثر علي الاستقرار في المجموعة، لانه مخترق بتأثيرات قصيدة سعدي يوسف الذي رغب في ان يخلص القصيدة العربية من ثقل الاستعارة والمجاز بعامه، ليكتب قصيدة اقرب الي عالم النثر منها الي عالم »الشعر«. إن طموح سعدي يوسف هو اقرب الي الرؤية النظرية منه الي التحقق العملي في قصيدته، فشعره ذو ايقاعات عالية محتشد بالاستعارات والمجازات التي تتسرب الي قصيدته رغم محاولاته تنقية تلك القصيدة من انزياحاتها اللغوية المجازية الفياضة.
يتغلب امجد علي هذا الفصام بين التصور النظري والتحقق العملي للكتابة الشعرية من خلال الانطلاق باتجاه قصيدة النثر، فمجموعة »مديح لمقهي اخر« تترجح في الحقيقة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لا في القصائد المفردة فقط بل في داخل القصيدة نفسها التي تبدو احيانا مشقوقة بين شكلي التفعيلة والنثر، بل انها مثل وجهي جانوس ينظر كل منهما في اتجاه. لا شك ان الشاعر بدأ بكتابة قصائد في بداياته الشعرية تستلهم شكل التفعيلة، لكنه استبقي منها ما اعتقد انه يتسق مع فهمه للشعر في تلك المرحلة، مما جعل مجموعته الشعرية الأولي تتضمن شكل التفعيلة وشكل قصيدة النثر.
ما اريد ان اقوله بهذا الخصوص هو ان قصيدة امجد في »مديح لمقهي اخر« تبحث عن شكل ورؤية وفهم للشعر يخلصه من الغنائية العالية التي كانت، ومازالت، تحتشد في الشعر العربي في تلك المرحلة. وهو الشيء نفسه الذي نلحظه في مجموعة »منذ جلعاد كان يصعد الجبل« (بيروت، ١٨٩١) التي يشحب فيها الايقاع ويتواري الشكل التفعيلي، وتقع علي قصيدة النثر كاختيار شكلي ورؤية تعبيرية وحيدة. في هذه المجموعة تتراجع تأثيرات سعدي يوسف، وحتي ترجماته لكوكبة من الشعراء من لغات مختلفة، قسطنطين كافافيس وفاسكو بوبا وفدريكو غارسيا لوركا ويانيس ريتسوس.. ليتلقي امجد ناصر تأثيرات اخري عديدة من الشعر العربي والعالمي يعلن عنها في مفتتح كتابه الشعري باقتباس مقطع شعري من انسي الحاج ومقطع شعري اخر مترجم لراينر ماريا ريلكه قام بترجمته فؤاد رفقة.
»منذ جلعاد..« يستقر امجد ناصر علي تصور محدد لشكل قصيدته وفهمه للشعرية والصيغ التعبيرية التي يستخدمها في كتابته. فهو يمزج في هذه المجموعة الشعرية اللافتة بين اشكال وصيغ تعبير عديدة: بين القصيدة القصيرة التي تقترب من شعر الهايكو، والنفس الملحمي، والانشودة الرعوية، والسرد القصصي الموجز الذي سيصبح في مجموعات امجد الأخيرة مكونا اساسيا، بل ربما وحيدا، من مكونات قصيدته. ما يمكن قوله ايضا بشأن مجموعة »منذ جلعاد كان يصعد الجبل« انها تؤسس للثيمات المتكررة في شعر امجد ناصر: سيرة البدوي الوافد الي حضارة الكونكريت، تذكر الماضي بوصفه بلسما شافيا من مرارة الحاضر، الشعور بحدة الاغتراب عن العالم المحدق بالشاعر، الايروسية بوصفها بلسما مؤقتا لشعور الاغتراب الحاد.. إلخ تلك الثيمات التي تصب جميعا في بحيرة الاحساس بعدم التلاؤم مع الأماكن الكثيرة التي ارتحل اليها الشاعر مبتعدا الي الابد عن مكانه الأول.
في »رعاة العزلة« (عمان، ٦٨٩١) نعثر علي انعطافه حادة في تجربة امجد الشعرية. ثمة بالطبع تخفف من الغنائية المتحققة في صيغة المتكلم، التي تلازم مجمل الشعر العربي المعاصر، حتي ذلك الذي يتخذ من قصيدة النثر شكلا اساسيا للتعبير، وتركيز علي الأشياء والأحداث والتفصيلات الصغيرة، واليومي والراهن، ومحاولة لرؤية الخفي والمتواري من الصلات بين الأحداث والوقائع والأشياء. ومع ان امجد لايهجر ثيماته التي اشرت الي بعضها، ولا ينسي شعوره بعدم التلاؤم مع المكان الذي يحل فيه، إلا ان اللافت في هذه المجموعة المحورية في تجربته الشعرية، والتي ستتكرر اشكال خطابها وصيغها الجملية، وطريقة توزيعها السطري في المجموعات اللاحقة هو مركزية الشيء في القصائد وتواري الفاعل الانساني الي خلفية المشهد، واتخاذ الشاعر صفة المراقب الذي يلاحظ ويؤول ويسأل عن سر هذا العالم، انه شعر يقوم بارهاف الحواس جميعها: العين والأذن واللمس والشم والتذوق، في محاولة دؤوبة للتعرف علي معني الوجود في هذا العالم المستغلق علي الفهم: ففي امكنة الاخرين تعاني الذات من العزلة الخانقة بحيث يبدو العالم صعب التفسير والعلاقات بين الذات والعالم، والاشياء والاشياء، والظواهر والظواهر، بحاجة الي فك شفراتها العصية علي التدبر.
لكن التشديد علي الأشياء، والرغبة في اكتشاف السر الكامن خلف العلائق بين الأحداث والظواهر، لا يمحو الذات تماما من المشهد الشعري، ولا ينحيها جانبا من الرؤية العامة للقصيدة. ان الذات الشعرية تطل بصورة مواربة من اعماق القصائد علي هيئة تذكر جانبي، أو استحضار للماضي البعيد، أو تحويل لضمير المتكلم الي ضمير مخاطب تختفي وراءه الذات وتسأل.
يتواصل هذا النهج في الكتابة الشعرية في مجموعة »وصول الغرباء« (لندن ٠٩٩١) التي تبدو فصلا اخر من فصول »رعاة العزلة« ولعبا مستمرا علي ثيمة الغربة، والاغتراب، وعدم التلاؤم مع الأمكنة الجديدة التي يحل فيها الشاعر.
ويستخدم امجد ناصر لوصف البيئة الراهنة التي حل فيها الشاعر مزجا بين القصائد القصيرة، التي قد لايتعدي طولها سطرين، والقصائد الأطول قليلا ولكنها تعتمد السرد صيغة تعبيرية اساسية يتواري فيها ضمير المتكلم ويحل محله ضمير الجماعة او ضمير المخاطب في محاولة للتخفيف من غربة الغريب في بلاد الاخرين.
ثمة التحام في شعر امجد ناصر بين البنية والدلالة، الشكل والمعني، الاداة التعبيرية والرؤية التي يسعي الشاعر لتوليدها. ولعل اختيار قصيدة النثر، بمروحة الاشكال والتنويعات في صيغها التعبيرية وبوصفها الطريقة المثلي لوصف هذا المغترب الابدي للشاعر، يفسر انقطاع امجد ناصر تماما عن محاولة تجريب الطاقات التي يفجرها شكل التفعيلة، وايمانه الذي لايتزحزح بان شكل قصيدة النثر يمثل مستقبل القصيدة العربية وشكلها الذي مازال يزخر بوعود كثيرة. وهو الامر الذي نتبينه في مجموعة »سر من رآك« (لندن، ٤٩٩١) التي تستخدم التوزيع السطري المتنوع غير المتساوي والبياض، والكتلة احيانا، لكتابة نصر ايروتيكي لافت. ان امجد ناصر واع في هذا الكتاب الشعري بالامكانات التي يتيحها شكل قصيدة النثر، والتمازج بين الشعري والنثري، وطريقة توزيع الكلمات علي بياض الصفحة لاعطاء ايقاع لاهث في نص يتخذ من الرغبة موضوعا لوصفه.
اننا نعثر في المجموعات الشعرية السابقة، وكذلك اللاحقة، لأمجد ناصر علي هذا البعد الايروتيكي الذي يضرب جذوره في اعماق تجربته الشعرية. لكننا في »سر من رآك«، وفي بعض قصائد »حياة كسرد متقطع«، نعثر علي مشاغل الجسد في اقصي حالاته شغفا ورغبة وغلمة واشتهاء. وهنا يعود المجاز، والتعبير الموارب عن الرغبة، وتحققها أو عدم تحققها، ليتسيد اللغة التي يستخدمها النص.
وفي الوقت الذي كان امجد في بداياته ينشد التخفف من لغة الاستعارة والتعبير المجازي، دار الزمان دورته وصار المجاز، والتعبير الاستعاري. نوعا من التقية والوقاية من الهبوط الي مستوي الكتابة البورنوغرافية المكشوفة.
في »مرتقي الأنفاس« (بيروت، ٧٩٩١) ثمة انعطاف باتجاه الواقعة التاريخية للتعبير عن حاضر الذات وهزائمها. هذا بالفعل كتاب شعري اشتغل عليه صاحبه من اوله الي اخره وانا افضل التعامل مع قصائد هذه المجموعة بوصفها قصيدة طويلة قام الشاعر بتوزيعها علي فصول) مستفيدا من الطاقة الخلاقة للنثر مضافا اليها خصائص قصيدة النثر وطرق توزيع الكلمات علي الاسطر، وتوازن المساحات البيضاء والكلام المطبوع علي الصفحة، أو عدم توازنه، مع ما يليه من كلام علي الصفحة المقابلة: كل ذلك لاعطاء احساس بالنهاية والسقوط الذي يبدو فيه ابو عبدالله الصغير وغرناطته مجرد واقعة تذكر بفعل الهزيمة والخذلان والذهاب الي الحتف الأخير.
ان »مرتقي الانفاس« هي بمثابة مجاز كبير للنهايات، مهما كانت تلك النهايات: نهاية امبراطورية، نهاية شعوب تهيم علي وجوهها في غياهب التاريخ، نهاية حكايات شخصية، نهاية عشق عاصف اطلق صاحبه زفرته الأخيرة مثل ابي عبدالله الصغير، ولعل هذه الطاقة المجازية العميقة التي ينطوي عليها النص، والقدرة الاشارية التي يتضمنها، والمزج الخلاق بين شعرية قصيدة النثر، كما هي لدي رامبو ولوتريامون ووالت ويتمان ومحمد الماغوط وانسي الحاج، هو ما يعطي »مرتقي الانفاس« افقها التخيبلي الواسع الممتد، ويمنح قارئها مفاتيح متعددة للدخول اليها.
»حياة كسرد متقطع« (بيروت، ٤٠٠٢) انعطافه حادة، لكنها متوقعة في مسار التجربة الشعرية لأمجد ناصر: فهي تقترب الي حد الالتصاق من لغة النثر المباشرة، وتقلد النثر حتي في توزيع الكلام علي الصفحة في معظم نصوص الكتاب، وتكتفي في عدد كبير من النصوص بالسرد والوصف والحكاية دون ان تحاول بناء طاقة مجازية للكلام. فأين تقع المسافة بين الشعر والنثر في هذه النصوص؟ لا مسافة البتة بل استفادة احيانا مما تعارفنا عليه بانه من علائق الشعر: من ورود بعض الاستعارات أو توزيع الكلام علي الصفحة ليتشبه النص بالسطور الشعرية... لكن الايحاء بالشعرية التقليدية، حتي تلك الخاصة بقصيدة النثر، هو من قبيل القصد والوعي التام بضرورة عدم الانجراف وراء نسف تعريف الشعر والقصيدة بحيث تنعدم المسافة بين »الشعر« و»النثر«. قد يسمي البعض هذا النوع من الكتابة الشعرية »قصيدة الكتلة« انطلاقا من طريقة توزيع الكلام علي الصفحة التي تحتشد بالكلام كما هو حال النثر تماما. لكن المهم في »حياة كسرد متقطع« هو انها تعيد وضع قصيدة النثر العربية علي مسارها الصحيح، اقصد انها تعيد وصلها بمنابعها الأورو- امريكية، فهذه هي قصيدة النثر التي قوضت الشعرية العتيقة في عدد لايحصي من اللغات وابتنت لنفسها شعرية جديدة تقتات علي الحالة والحدث والاستقصاء الدقيق للظواهر، كما علي الشاعرية المتخفية في البسيط والعادي واليومي.
|
|
|
سيد وخادم ونمر أبيض
د. شيرين أبو النجا
حصلت رواية "النمر الأبيض" للكاتب الهندي ارافين أديجا علي جائزة البوكر مان لهذا العام، واللافت للنظر أن هذه الرواية هي عمله الأول الذي فاجأ الأوساط الثقافية لأن الكاتب معروف كمراسل لصحيفة التايمز. الا أنه من المعروف أن الكتاب الهنود قد تمكنوا من ارساء مكانتهم الأدبية بقوة وصلابة في منظومة معايير تقييم الآداب المكتوبة باللغة الانجليزية، فقد حصلت من قبل كيران دساي علي نفس الجائزة عام 2006 عن رواية "ميراث الفقد".
في "النمر الأبيض" تتجلي الفكرة التي طرحها الناقد بيل أشكروفت- بالاشتراك مع جاريث جريفيث وهيلين تيفين- منذ فترة ليست قصيرة (1989) عن كيفية الرد علي المركز وتفنيد أطروحاته وخلخلة منظومته عبر توظيف نفس الأدوات (اللغة في هذه الحالة) وذلك في كتاب "الامبراطورية ترد بالكتابة" والذي قام بترجمته إلي العربية الناقد الدكتور خيري دومة عام 2005. بمعني آخر، تتجلي في رواية "النمر الأبيض" نتائج الاستعمار- بالرغم من الحصول علي الاستقلال- وهو ما يجعل الرواية نموذجا لآداب ما بعد الاستعمار بامتياز، بحيث يختفي هذا المصطلح الذي يعبر عن حقبة زمنية ليحل محله ما يعبر عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي القائم، فتكون الرواية شاهدا علي عصر الامبريالية الجديدة.
ليس من الغريب إذن أن يعلن الصوت السردي الرئيسي والوحيد بالرام هالواي أن "نهاية جنس الرجل الأبيض قد اقتربت وستكون السيادة للجنس الأسود والأصفر". جاء هذا التصريح الواضح في سياق تبرير بالرام قيامه بكتابة خطاب لرئيس الوزراء الصيني الذي يعتزم القيام بزيارة إلي الهند، وبعد أن يقدم بالرام المبررات الكافية لذلك، يبدأ في سرد قصة حياته، ليحكي كيفية انتقاله أو بالأحري تمرده علي طبقة "العبد" وتدبيره لمكان مريح "نزيه" في طبقة السيد. تأخذ الرواية شكل خطاب طويل مقسم إلي سبعة أجزاء وهي عدد الليالي التي تمكن فيها بالرام من انهاء خطابه/ حكايته/ سيرته الذاتية/ سيرة الهند. وفي هذا السياق لا يبدو مقنعا ما تداولته الأقسام الثقافية في الصحف البريطانية (الجارديان، التايمز، التليغراف) من كون الرواية تأخذ شكل الاعتراف، بمعني أن الخطاب الذي كتبه بالرام يحمل كل اعترافاته. فالسارد لا يولي اهتماما كبيرا للواقعة الرئيسية التي تمكن عبرها من التمرد وهي قتل سيده أشوك، بل إنه لم يول تفاصيل القتل أكثر من صفحة ونصف لا تحمل أي انفعالات قوية، كما أنه لم يتورط بعد ذلك في أي الخطاب الميلودرامي المعتاد الذي يدل علي الاحساس بالذنب أو الندم أو انكار الواقع. بل يبدو بالرام مقتنعا تماما بما فعله- من اقدام حاسم علي قتل سيده- بوصفه "النمر الأبيض" (كما أطلق عليه المدرس في طفولته) الذي يشتهر بندرة ظهوره زمنيا بين جنس النمور، ولذلك يعد الوصف علامة علي التميز والاختلاف البين بما في ذلك من كل دلالات التمرد والرفض والجرأة والادراك الكامل للواقع البائس الذي يقسم الهند إلي "الظلمة" و "النور".
نشأ بالرام في "الظلمة" بقرية لاكسمارجا حيث امكانيات العيش الآدمي صعبة أو مستحيلة: موت مبكر للأب علي أرض مستشفي حكومي لغياب الطبيب، خروج قسري من المدرسة من أجل لقمة العيش، مستنقعات تملأ القرية بالاضافة إلي أكوام القمامة التي تتحول إلي مشهد طبيعي لا يؤرق أهل المكان، البقرة لها الأولوية في المأكل والمشرب والرعاية لأنها مصدر الرزق، تعسف الأسياد وتعمد اذلال أهل القرية مما يولد مشاهد مألوفة لدي العقل المصري من قبيل ركض عمال التراحيل خلف السيارات التي تجمعهم، اجبار كل من لديه عمل بالقرية علي دفع "إتاوة" للأسياد الذين غادروا القرية، الايمان الكامل بجميع الأساطير المتوارثة التي لا يمكن اعتبارها (بمنطق منطقة النور) الا خرافات مثل قدسية النهر المليء بالتلوث. يبدو المشهد في "الظلمة" وكأنه يعود للمثلث التقليدي الذي ترتكن زواياه علي الفقر والجهل والمرض.
في مقابل ذلك يحتل مثلث آخر منطقة النور وبالتحديد مدينة نيودلهي وهو مثلث الفساد- بجميع أشكاله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية- والثراء الفاحش والعنف. وكأي مدينة كبيرة في العالم الثالث تحولت فترة ما بعد الاستعمار إلي مرحلة استعمار محلي جديد ينهل من منابع الامبريالية العالمية ليعيد انتاجها في أبشع صورها. الا أن كل الحالمين بالوصول إلي دلهي لا يرون منها في البداية سوي الأنوار اللامعة والأحلام الواهمة والوعود الزائفة. كانت دلهي بمثابة الحلم لبالرام، الذي جمعت له أسرته كل ما تملك ليتعلم قيادة السيارات، وهو ما مكنه في النهاية من الحصول علي عمل لدي السيد أشوك- العائد لتوه من أمريكا- والذي تنتمي عائلته الثرية لقرية بالرام.
منذ انتقال بالرام إلي دلهي وعمله كسائق ينفتح عالم الرواية علي منطقتين متوازيتين. تصور المنطقة الأولي عالم المدينة من أعلاه عبر رصد تواطؤ الثراء الفاحش مع الفساد (من قبيل اغداق الرشاوي لتزوير الانتخابات) وعبر الغوص في قاع المدينة الذي يمثله كل من جاء من "الظلمة" ليعمل كسائق في دلهي. يبدو العالمان منفصلين تماما بل متناقضين رغم اشتراك كليهما في مبدأ الفساد، الا أن الثري يفسد من أجل النفوذ والثروة والفقير يفسد من أجل مجرد مواصلة العيش وللحفاظ علي مساحته الضيقة في وسط هذا العالم المجنون. تؤدي هذه النقطة الأخيرة إلي انفتاح الرواية علي المنطقة الثانية التي برع الكاتب في تصويرها، وهي تلك الخاصة بتصوير العلاقة الشائكة نفسيا بين "السيد" و "العبد". لا تعد هذه العلاقة جديدة علي الأدب فهي من أشهر التيمات التي تناولتها العديد من الأعمال الرائعة سواء تلك المكتوبة باللغة العربية أو بلغات أجنبية، الا أن التميز في علاقة السيد والعبد برواية "النمر الأبيض" يرجع لكونها تختلف ظاهريا عن شكل العلاقة الكلاسيكية التي تجلت في أعلي صورها فجاجة وعبثية مثلا في مسرحية "انتظار جودو" لصموئيل بيكيت.
منذ البداية تحمل مهنة السائق العديد من الدلالات التي تشكل أساسيات العلاقة بين بالرام وسيده في الرواية. فكلاهما يتواجد في نفس المكان بالضرورة- أي السيارة- وهو مكان محدود بشكل واضح مما يسمح للسيد أشوك أن يمارس حياته بأكملها (التي تدور معظمها علي التليفون المحمول) ويسمح لبالرام أن يراقب تلك التفاصيل في صمت كامل إلي ان يصل إلي مرحلة تمثل سيده- وهو ما شرحه من قبل فرانز فانون من تمثل المستعمر (بفتح الميم) للمستعمر (بكسر الميم). يصل هذا التمثل إلي أعلي درجاته عندما تتحول النظرات المتبادلة في المرآة بين بالرام وأشوك إلي لغة مفهومة لديهما، لغة بها قدر من التواطؤ أكثر من التواصل. الا أن هذا التمثل يتحول إلي شكل آخر مع بالرام الذي يتمكن من مراقبة مدينة دلهي عن كثب بفعل عدد الساعات التي ينتظر فيها السيد أشوك بالسيارة، يدرك بالرام- أثناء مراقبته لاحدي محال الجزارة- أنه لابد لدجاجة واحدة أن تتمرد علي القفص، لابد لفرد واحد من العبيد أن يقوم برفض ما يحدث ليتبعه الآخرين، لابد لعبد أن يتحول إلي نمر أبيض ليسن شكلا جديدا من التمرد علي القوانين التي تحكم المدينة وتقسمها إلي عالمين.
تكمن المفارقة في كون تأملات بالرام لقاع مدينة دلهي التي تنتمي لهند "النور" هي التي توصله إلي مرحلة الادراك الكامل، مما يدفعه إلي اتخاذ قرار التخلص من سيده- أو بالأحري ذبح سيده أولا ثم خنقه ثانيا، ومن ثم الهرب بحقيبة المال ليبدأ حياة جديدة كأحد أهم أصحاب المشاريع في دلهي النور. لا يمكن ادراج بالرام كما صوره الكاتب في فئة القتلة، فهو لم يصل إلي هذا القرار الا بعد تأملات عديدة انتهت بلحظة كشف أمام النمر الأبيض في حديقة الحيوانات، وهي اللحظة التي تأكد فيها من ضرورة قيامه بالتمرد علي قفص الدجاج. لم تكن اللحظة سهلة علي بالرام، فقد فقد وعيه تماما، وأدرك ما سيحدث لعائلته في القرية بعد أن يقوم يتنفيذ ما عزم عليه، الا أنه لم يكن هناك خيار آخر أمامه. هكذا يتحول بالرام إلي سيد لديه ستة وعشرين "عبد" تحت امرته! ورغم وعيه الكامل بضرورة أن يكون سيدا "نزيها" تجاه عبيده ليحاول دفعهم إلي طريق الأسياد الا أنه لا يتواني عن اتباع قوانين التواطؤ الكامل مع فساد الشرطة، وهو الطريق الذي يبدأ وينتهي بالمال.
|
|
|
|