دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -808ه - العدد1430محرممن7- م2009يناير من4 الأحد
بتوقيت القاهرة 3:17:14 PM الساعة - 1/3/2007 آخر تحديث يوم
      شرق وغرب
رحيل‮ ‬النقيضين
ترجمة شريف بهاء‮ ‬
في يومين متتاليين رحل النقيضان،‮ ‬مفكر اليمين الأمريكي الشهير صاحب نظرية‮ " ‬صدام الحضارات‮" ‬صامويل هينتينجتون،‮ ‬وبعد يوم واحد فقط يغيب الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر الحاصل علي جائزة نوبل للآداب‮ ‬،‮ ‬والذي قاوم بشدة‮ ‬الغزو الأمريكي للعراق‮.‬

صامويل هينتينجتون
صامويل هينتينجتون
يعتبر هينتينجتون احد اهم منظري المحافظين الجدد واليمين المتطرف في الولايات المتحدة،‮ ‬كما أنه أحد اثنين‮ ( ‬مع فوكاياما‮) ‬روجا للأفكار الرأسمالية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور سيادة القطب الاوحد المنتصر والمنفرد بالعالم‮ . ‬فوكاياما تحدث عن‮ " ‬نهاية التاريخ‮" ‬أي الانتصار النهائي للرأسمالية : وعلي العالم ان يتقبل النظام الجديد بكل ما فيه من حرية وان الولايات المتحدة هي التي بدأت تسطر نهاية التاريخ وذلك بتبنيها الفكر المتحرر والديمقراطية والرأسمالية‮ . ‬وان الليبرالية الرأسمالية هي الوحيدة القادرة علي انهاء الصراعات وتحقيق السعادة للبشرية‮ . ‬وقد تخلي فوكوياما عن افكاره عندما وجد نفسه خارج السياق‮ ‬،‮ ‬فلا التاريخ انتهي ولا الصراعات ولا استتب الامر للرأسمالية‮ ‬،‮ ‬لا بأيديولوجيتها الليبرالية ولا النيوليبرالية فصار لزاما عليه ان يعلن فشل افكاره ومعارضته لمشروع المحافظين الجدد‮ (‬النيوليبراليين‮) . ‬اما هنتنجتون‮ ‬،‮ ‬فعلي العكس‮ ‬لم ير نهاية للتاريخ في انتصار الرأسمالية علي المعسكر الاشتراكي‮ ‬،‮ ‬بل وجد فيه بداية أو تبلور لصراع اخر‮ : ‬صراع الحضارة اليهودية/المسيحية في مواجهة الحضارات الشرقية‮ : ‬الاسلام والبوذية وغيرها‮ . ‬ونشر هنتنجتون مقالا له بعنوان‮ " ‬صراع الحضارات‮ " ‬في مجلة‮ ‬
فورين افيرز‮ " ‬الشئون الخارجية‮ " ‬في عام‮ ‬1993‮ ‬ولاحقا قام بتوسيع مقالته الي كتاب صدر في عام‮ ‬1996‮ ‬بعنوان‮ " ‬صراع الحضارات واعادة صياغة النظام العالمي‮ " ‬عرضا كلا من المقالة والكتاب وجهة نظره بأن صراعات ما بعد الحرب الباردة ستكون اكثر واعنف من قبل وستقوم علي اسس ثقافية‮ (‬غالبا حضارية‮ ) .‬
وقسم هنتنجتون الحضارات الي ثماني كتل حضارية مختلفة‮ : ‬الغربية‮ ‬،‮ ‬الامريكية اللاتينية‮ ‬،‮ ‬الاسلامية‮ ‬،‮ ‬الصينية‮ ‬،‮ ‬الهندوسية‮ ‬،‮ ‬المسيحية‮ ‬،‮ ‬اليابانية‮ ‬،‮ ‬الافريقية‮ . ‬وكل حضارة تستند علي دين معين او مجموعة من القيم‮ ‬،‮ ‬اما الصراع فيحدث بين هذه الحضارات بسبب النمو الديموجرافي المتسارع والعولمة‮ ‬،‮ ‬ويقول هنتنجتون في مقاله‮ : " ‬يعتبر التفاعل بين الاسلام والغرب صدام حضارات‮ ‬اذ ان المواجهة التالية ستأتي حتما من العالم الاسلامي‮ " . ‬بالنسبة لهنتنجتون مازال تاريخ الصراع مفتوحا ومازالت الرأسمالية متوترة ولم تنجز استقرارها الكامل‮ . ‬من الواضح ان المفهومين متناقضين‮ : ‬ففوكوياما عبرعن‮ ‬ايديولوجيا ليبرالية مثالية‮ ‬،‮ ‬بينما كانت افكار هنتنجنون اكثر يمينية واكثر مادية فهو يعي ان التاريخ والصراعات داخله مازالت مفتوحة‮ ‬،‮ ‬لكن تعتبر افكار هنتنجتون تضليلية وتبريرية في آن واحد تحمل جوانب دقيقة وصحيحة‮ (‬استمرارية التاريخ والصراع وعدم تحقيق الانتصار النهائي للرأسمالية‮ )‬ولكنها تشكل الارضية المثالية للدعاية لليمين المتشدد في داخل وخارج الولايات المتحدة‮ ‬،‮ ‬من حيث ان عدوان الامبريالية علي الاخرين هو ضروري ومبرر للحفاظ بالمعني الوجودي علي الحضارة اليهودية/المسيحية في وجه الاخرين من الهمج‮ . ‬كما تشكل الارضية لتزوير الصراع من كونه صراعا علي موارد وبشر وجغرافيا سياسية‮ (‬صراع مادي‮) ‬الي صراع علي اديان وحضارات‮ ‬،‮ ‬وهكذا اعطت افكار هنتنجتون وامثاله الاسانيد القوية لجورج بوش الابن لغزو العراق وافغانستان بزعم التخلص من الطاغية صدام في حين ان الهدف هو نهب الثروات وبسط الهيمنة‮ ‬،‮ ‬فبعد ان ارسلت امريكا الجيوش الجرارة للعراق لحق بهم رجال البيزنس من كبري الشركات الامريكية‮ ‬،‮ ‬بينما قاموا علي الارض بأكبر الفظائع التي تثبت كذب دعايتهم من القتل والدمار والتعذيب والاغتصاب‮.‬
وعلي الجانب الآخر يقف الكاتب المسرحي الشهير هارولد بنتر أعظم كتاب المسرح في جيله،‮ ‬وصاحب نوبل للآداب عام‮ ‬2005،والذي رحل‮ ‬بعد صراع مع السرطان عن‮ ‬78‮ ‬عاما‮. ‬فقد ركز‮ "‬بنتر‮" ‬كثيرا‮ ‬لمدة عقدين من الزمان في مقالاته وأحاديثه ومقابلاته وقراءاته الأدبية علي القضايا السياسية المعاصرة‮. ‬فقد عارض بشدة كوسوفو أثناء الحملة اليوغسلافية بالقنابل في الناتو وحرب الخليج وغزو العراق‮. ‬وصرح في نوفمبر سنة‮ ‬2002‮ ‬قائلا‮: "‬أنا أعتقد أن الولايات المتحدة سوف تهاجم العراق ليس فقط من أجل التحكم في البترول ولكن أيضا‮ ‬لأن الإدارة الأمريكية متعطشة للدماء الآن مثل الحيوان الضاري،‮ ‬فالقنابل فقط هي مفرداتها‮".‬وكان ناشطا‮ ‬في محاولة وقف الحرب في المملكة المتحدة،‮ ‬فكان يتحدث في التجمعات،‮ ‬ووصف بوش بأنه قاتل سفاح،‮ ‬ووصف بلير بأنه أحمق مخدوع،‮ ‬وإدارة بوش بأنها حزمة من المجانين القتلة‮. ‬وقارنهم بالمجرمين قائلا‮ ‬إنه تحت إدارة بوش تكون الولايات المتحدة مثل ألمانيا النازية تحت قيادة هتلر كمسخ عملاق خارج عن السيطرة بالكامل يصارع من أجل الهيمنة علي العالم‮. ‬وأظهر بريطانيا العظمي مع توني بلير مثل الحمل الوديع مغمض العينين الذي تقوده الولايات المتحدة‮. ‬ويري‮ "‬بنتر‮" ‬أن‮ "‬بلير‮" ‬كان مشاركا‮ ‬في فعل من أفعال القتل الجماعي المدبر‮."‬
وعندما قال بوش‮: (‬إننا لن نسمح لأسوء الأسلحة في العالم أن تظل في أيدي أسوء قادة في العالم‮). ‬سخر منه بنتر قائلا‮: ‬رائع جدا‮. ‬انظر في المرآة ياصديقي،‮ ‬إنه أنت‮". ‬وفي فبراير‮ ‬2005‮ ‬أعلن‮ "‬بنتر‮" ‬في مقابلة أنه قد قرر أن يترك مهنته ككاتب مسرحي ويركز طاقته في السياسة‮. "‬لقد كتبت‮ ‬29‮ ‬مسرحية‮. ‬ألا يكفي هذا؟‮".‬هنا ملف عن القيمة الفنية لهذا الكاتب المسرحي المهم،‮ ‬لا نحتفي فقط بمواقفه السياسية وإنما نحاول إلقاء القليل من الضوء علي قيمته الفنية‮.‬

كاتب الوقفات المسرحية ‮ ‬
‮ ‬يتوقف عن الحياة
بنتر
بنتر
ترجمة الملف‮ ‬مصطفي محمود
إن اكتشاف‮ "‬بنتر‮" ‬نغمة الوعيد والتهديد في اللغة اليومية العادية والضجيج والصخب في صمت توقفاتها المنذرة بعنف منتظر،‮ ‬هو الذي جعل منه الكاتب المسرحي الأكثر تأثيرا‮ ‬في جيله‮. ‬أدان في خطاب قبوله لجائزة نوبل أمريكا قائلا‮ ‬إن الولايات المتحدة لم تكذب فقط لتبرير شنها الحرب ضد العراق،‮ ‬لكنها أيضا‮ "‬أيدت وفي حلات كثيرة أسست تماما‮ ‬لديكتاتورية عسكرية يمينية‮" ‬في الخمسين سنة الماضية‮. ‬
لقد كانت وجهات نظره السياسية متضمنة في الكثير من أعماله‮. ‬وعلي الرغم من أن مسرحياته تتعامل مع الذاكرة المراوغة والشخصية الإنسانية،‮ ‬إلا أنها تدور دائما‮ ‬وأبدا‮ ‬حول الصراع من أجل السلطة‮. ‬وتكمن الديناميكية في عمله في المعارك من أجل السيطرة والحروب التي تشتعل في المواقع التي تتراوح بين منازل الطبقة العاملة‮ (‬في مسرحيته الأولي‮ "‬الحجرة‮" ‬1957‮) ‬والمطاعم الفاخرة‮ (‬في مسرحية الاحتفال التي مجثِلت عام‮ ‬2000‮). ‬إن مسرحياته تدور دائما‮ ‬في حجرة واحدة تتفاقم فيها الكارثة،‮ ‬حيث تكون المحادثة هي الميدان الأساسي للمعركة علي الرغم مما يبدو من أن أذي الكلمات قليل‮.‬
في أعمال بنتر تكون‮ "‬الكلمات أسلحة تستخدمها الشخصيات لتروٌِع الآخرين وتدمرهم‮". ‬هذا هو ما يقوله‮ "‬بيتر هول‮" ‬الذي أخرج للمسرح معظم مسرحيات‮ "‬بنتر‮" ‬أكثر من أي مخرج آخر‮. ‬لكن علي الرغم من أن لغة‮ "‬بنتر‮" ‬الذكية تبدو بسيطة،‮ ‬فإنها تكون أحيانا‮ ‬فاحشة،‮ ‬كلمات في الظلام تلمع وغالبا‮ ‬شعرية هزلية لاذعة،‮ ‬إنها ما يأتي بين الكلمات وهي الطريقة التي أجشتجهِر بها‮. ‬وسوف تهيمن عليه طوال حياته المسرحية‮ "‬الوقفات‮" ‬في الإخراج المسرحي‮. ‬
إن‮ "‬وقفات‮" ‬بنتر أو لحظات الصمت كانت تعليمات تجلقن للممثلين،‮ ‬وهي مساحة للتركيز ومجال للتنفس‮. ‬ومن الممكن أن تكون مجهددة ومجنذرة بالشر مثل رفع قبضة اليد‮. ‬قال‮ "‬بنتر‮" ‬إن كتابة الكلمة‮ "‬توقف‮" ‬في أول مسرحياته كانت‮ "‬غلطة قاتلة‮". ‬فهي بالتأكيد سمة لكتاباته التي سرعان ما قلدها الآخرون‮. ‬لكن لم يوجد كاتب مسرحي قد استخدم الوقفات باستمرار بمثل هذا الإيقاع الواثق،‮ ‬وبمثل هذا التأثير الذي يتحكم في صفاء نغماته‮. ‬
قال‮ "‬بنتر‮" ‬إنه في وقت مبكر من مهنته كان عمله يدور حول‮ "‬خليط من لغة الحوار الذكية‮". ‬وعلي الرغم من أسفه علي هذه الصورة فيما بعد،‮ ‬إلا أنها تجستخدم كمجاز للخطر الكامن الذي يتغلغل في عمله‮. ‬كتب‮ "‬مارتن إيسلن‮" ‬في كتابه‮ "‬بنتر‮: ‬الكاتب المسرحي‮": "‬الإنسان هو الخوف الوجودي وليس تجريدا،‮ ‬لكنه يشبه شيئا‮ ‬حقيقيا‮ ‬وعاديا‮ ‬ومقبولا‮ ‬مثلما يحدث كل يوم ها نحن نضع يدنا علي جوهر عمل بنتر ككاتب مسرحي‮". ‬
وعلي الرغم من أنه يجصنف مع‮ "‬بيكيت‮" ‬وآخرين علي أنهم مارسوا‮ "‬مسرح العبث‮"‬،‮ ‬إلا أن‮ "‬بنتر‮" ‬يعتبر نفسه واقعيا‮. ‬فقد قال في سنة‮ ‬1962‮ ‬إن سياق مسرحياته كان دائما‮ "‬صلبا‮ ‬وخاصا‮". ‬ولم يجد أبدا‮ ‬هناك حاجة إلي تغيير تقديره‮. ‬فمنذ أواخر الخمسينيات ساعد‮ "‬جون أوسبورن‮" ‬و"بنتر‮" ‬علي تحويل المسرح البريطاني بعيدا‮ ‬عن نبالة حجرة المرسم‮. ‬فمع‮ "‬انظر وراءك في‮ ‬غضب‮" ‬فتح أوسبورن الباب لأجيال متلاحقة من الشباب الغاضبين الذين تجمعوا ضد النظام الطبقي وضد الحكومة‮ ‬غير الفعالة‮. ‬وكان علي‮ "‬بنتر‮" ‬أن يكون له التأثير الأكثر دواما‮ ‬كمجدد وصاحب أسلوب مبتكر‮. ‬ولا يستطيع أحد أن يجنكر تأثيره ككاتب مسرحي علي‮ "‬دافيد ماميت‮" ‬في الولايات المتحدة و"باتريك ماربر‮" ‬و"جيزبوتروث‮" ‬في إنجلترا‮. ‬
قال الكاتب المسرحي‮ "‬توم ستوبارد‮" ‬إنه قبل‮ "‬بنتر‮": "‬ما كانت تشترك فيه المسرحيات علي وجه العموم‮: ‬أنه من المفترض أن تعتقد فيما يقوله الناس هناك‮. ‬فإذا جاء شخص وقال،‮ ‬شاي أو قهوة؟ والإجابة هي شاي،‮ ‬فأنت مخول أن تفترض أن شخصا‮ ‬ما قد عرض عليك أن تختار بين مشروبين،‮ ‬وأن الشخص الثاني أعلن عن اختياره‮". ‬لكن مع‮ "‬بنتر‮" ‬هناك بدائل،‮ "‬مثل أن الرجل اختار القهوة لكن الشخص الآخر أراد منه أن يأخذ شايا‮". ‬وقال‮ "‬ستوبارد‮": "‬أو أنه فضل المادة التي تصنعها من حبوب البن تحت الانطباع بأنها كانت تسمي شايا‮". ‬
ويقول‮ "‬دافيد هار‮"‬،‮ ‬كاتب مسرحي آخر،‮ ‬عن‮ "‬بنتر‮": "‬إن جوهر جاذبيته الفردية هي أنك تجلس أمام كل مسرحية أو فيلم يكتبه بتوقع معين وهو‮ ‬غير المتوقع‮". ‬
ومع ذلك فهو يعتبر في الأساس أنه مسرحي فطري أكثر منه كاتبا‮ ‬مسرحيا‮ ‬فكريا‮. ‬إن‮ "‬بنتر‮" ‬كان في الواقع كلا النوعين‮. ‬فمسرحياته مزدحمة بالإشارات إلي كجتٌّاب مثل‮ »‬جيمس جويس‮« ‬و"تي إس إليوت‮". ‬إن‮ "‬العرض السنوي لبنتر‮" ‬الذي يقوم فيه الدارسون بثبر‮ ‬غور أعماله وإعرابها بحثا‮ ‬عن المعني والمجاز،‮ ‬هو واحد من الأدلة الكثيرة علي مكانته الثابتة في العالم الأكاديمي‮. ‬
قال‮ "‬بنتر‮" ‬ذات مرة‮: ‬هناك عنف بداخلي،‮ ‬لكنني لا أمشي في كل مكان بحثا‮ ‬عن المشاكل‮". ‬وجلِد‮ "‬بنتر‮" ‬في حي هاكني في الطرف الشرقي في لندن،‮ ‬وكان أبوه‮ "‬جاك‮" ‬خياطا‮ ‬وأمه‮ "‬فرانسيس‮" ‬ربة منزل‮. ‬وهاجر والدا‮ "‬بنتر‮" ‬من أوروبا الشرقية‮. ‬وقال‮ "‬بنتر‮" ‬عن والديه إنهما كانا قويين ومحترمين،‮ ‬يهوديين من أدني الطبقة الوسطي‮". ‬
‮>>>‬
نشأ‮ "‬بنتر‮" ‬علي نظام أفلام العصابات الأمريكية وأفلام الحرب الأمريكية‮. ‬ومنذ البداية كان قارئا‮ ‬نهما‮ ‬وشاعرا‮ ‬مأمولا‮ ‬مع فطنة سياسية قوية‮. ‬فحينما استجدعي إلي الخدمة العسكرية في سن‮ ‬18‮ ‬رفض أداء الخدمة من منطلق المسالمة‮. ‬
وظل بطرق متعددة يرفض أداء الخدمة العسكرية،‮ ‬وهو الأمر الذي تردد صداه في‮ "‬حفلة عيد الميلاد‮" ‬وفيها‮ "‬ستانلي‮" ‬مستأجر المنزل الصغير علي شاطئ البحر يؤخذ فجأة من منزله حيث يسحبه اثنان من الغرباء إلي مستقبل ما مشئوم،‮ ‬ويصرخ فيه صديق‮: "‬ستانلي،‮ ‬لا تدعهم يخبرونك ما الذي تفعله‮!". ‬وبعدها بسنوات قال‮ "‬بنتر‮" ‬إنه قد عاش علي هذا المنوال طوال حياته‮. ‬
صدرت القصيدة الأولي ل"بنتر‮" ‬في مجلة تسمي‮ "‬لندن للشعر‮" ‬حينما كان في العشرين من عمره‮. ‬وسرعان ما أكمل بعدها رواية‮ "‬الأقزام‮" ‬بعد دراسته في الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية وفي المدرسة المركزية للخطابة والمسرح،‮ ‬ووقع مع مجموعة أخري عقد شركة للتمثيل تحت اسم دافيد بارون،‮ ‬قامت بجولة في أيرلندا بمسرحيات شكسبير وآخرين،‮ ‬وغالبا‮ ‬ما كان يقوم بأدوار شريرة مثل‮ »‬ياجو‮«. ‬
وفي سنة‮ ‬1955‮ ‬في حفل في لندن،‮ ‬فوجئ‮ "‬بنتر‮" ‬بما أشار إليه علي أنه‮ "‬صورة شاذة‮". ‬رجل ضئيل،‮ ‬تحول فيما بعد إلي أن يكون الكاتب المحترف الغريب‮ "‬كوينتن كريسب‮"‬،‮ ‬كان يجعد لحم الخنزير المقدد والبيض لرجل ضخم يجلس علي منضدة يقرأ في صحيفة هزلية‮. ‬وحكي‮ "‬بنتر‮" ‬لصديقه‮ "‬هنري وولف‮" ‬عن هذه الحادثة،‮ ‬وقال إنه يعتقد أنه قد يكتب مسرحية عنها‮. ‬وفي السنة التالية،‮ ‬تخرج‮ "‬وولف‮" ‬في‮ ‬جامعة بريستول،‮ ‬وطلب منه أن يكتب هذه المسرحية لمجموعة من طلبة المسرح‮. ‬
‮>>>‬
وكان العمل الناتج هو‮ "‬الحجرة‮"‬،‮ ‬أولي مسرحيات‮ "‬بنتر‮". ‬وتدور قصتها حول المتطفلين الغامضين وكلامهما البيضوي الملفوف،‮ ‬وقد بينت أن‮ "‬بنتر‮" ‬قد وجد بالفعل صوته ككاتب مسرحي‮. ‬وافتتح عرضها في بريستول‮ ‬1957،‮ ‬وأجعيد عرضها بعد ثلاث سنوات في نادي مسرح هامبستاد في لندن‮. ‬
وفي سنة‮ ‬1956‮ ‬تزوج من‮ "‬فيفيان ميرشانت‮" ‬الممثلة في الشركة وأنجب منها في‮ ‬1958‮ ‬ابنه‮ "‬دانيال‮" ‬وانتقلوا إلي لندن وكتب مسرحية‮ "‬طفل عيد الميلاد‮" ‬مسرحيته الطويلة الأولي التي سجل فيها ذكرياته كممثل مع فرقة جوالة في الساحل الجنوبي البريطاني‮. ‬
وحصل علي فرصة للتعاقد للتمثيل في برمنجهام لكنه لم يقبله رغم حاجته ومعارضة زوجته بسبب افتتاح هذه المسرحية في لندن‮. ‬قال‮: "‬أعتقد أنني يجب أن أبقي‮. ‬شيء ما سوف يحدث‮"‬،‮ ‬فقالت‮: "‬ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟‮". ‬
وألغيا عقد التمثيل‮. ‬وافتتح عرض مسرحية‮ "‬حفل عيد الميلاد‮" ‬في‮ "‬ويست إيند‮" ‬في‮ ‬1958‮ ‬وكانت النتيجة صدمة كارثية في عدد المشاهدين‮. ‬واستحث الوكيل المسرحي‮ "‬بيجي رامزي‮" ‬الناقد البارز في الصانداي تايمز في لندن‮ "‬هارولد هوبسون‮" ‬أن يأتي ليراها في حفل ماتينيه‮. ‬وكان ما كتبه عرضا‮ ‬محولا‮ ‬لحياته‮. ‬
كتب‮ "‬هوبسون‮": "‬إنها تخنق في الهواء،‮ ‬لا يمكن رؤيتها لكنها تدخل إلي الحجرة كل وقت يفتح فيه الباب‮" ‬واستمر يقول‮: "‬وعلي الرغم من أنك تصل إلي أبعد الأجزاء علي الأرض وتخفي نفسك في أكثر المنازل‮ ‬غموضا‮ ‬في أقل المدن ازدحاما،‮ ‬هنالك احتمال في يوم ما أن يظهر رجلان‮. ‬إنهم سيبحثون عنك،‮ ‬وأنت لا تستطيع الهرب منهما‮. ‬وأيضا‮ ‬سيكون هناك شخص ما يبحث عنهما أيضا‮. ‬هناك رعب في كل مكان‮". ‬ووصل إلي نتيجة مؤداها أن‮ "‬بنتر‮" ‬بالتأكيد يمتلك في هذا العمل أكثر موهبة أصلية ومزعجة وآسرة في مسارح لندن‮". ‬
وعلي الرغم من هذا العرض فإن المسرحية قد أجغلقت في نهاية هذا الأسبوع‮. ‬وعلي العكس من ذلك جاءت المسرحية الثانية الطويلة التي كتبها‮ "‬بنتر‮"‬،‮ "‬المشرف‮"‬،‮ ‬والتي افتجتِح عرضها في لندن في‮ ‬1960‮ ‬حيث حققت نجاحا‮ ‬نقديا‮ ‬مدهشا‮. ‬قال‮ "‬بنتر‮": "‬فجأة انقلب كل شيء رأسا‮ ‬علي عقب‮".‬
في هذه المسرحية يعيش أخان في منزل مزدحم في لندن،‮ ‬ولأسباب‮ ‬غير مفسرة يدعوان رجلا‮ ‬مشردا‮ ‬لا يجد مأوي اسمه‮ "‬دافيز‮" ‬ليشاركهما سكنهما ويتصرفان بنوع من الحماية له وحراسته‮. ‬لقد أطلق‮ "‬ميشيل بيلينجتون‮"‬،‮ ‬الناقد في الجارديان وكاتب سيرة حياة‮ "‬بنتر‮" ‬علي هذه المسرحية‮: »‬تحفة رائعة بالغة البساطة‮: ‬مسرحية مجعترف بها عالميا‮ ‬عن المناورة السياسية والحب الأبوي والعزلة الروحية واللغة كسلاح للمفاوضة أو شكل من أشكال التعمية‮". ‬
وافتجتِحت المسرحية التالية ل"بنتر‮"‬،‮ "‬العودة إلي الوطن‮" ‬في لندن في يونيو‮ ‬1965،‮ ‬من إنتاج‮ "‬شركة شكسبير الملكية‮" ‬وإخراج‮ "‬هول‮"‬،‮ ‬وهي قصة كل رجال العائلة وعلي رأسهم أب يشبه‮ "‬الملك لير‮" ‬وامرأة‮ (‬مثلت دورها‮ "‬فيفيان ميرشانت‮" ‬التي مثلت الكثير من مسرحياته‮) ‬تقتحم عليهم المكان وتثير الاضطراب فيما بينهما،‮ ‬وقد سجلت نجاحا‮ ‬كبيرا‮ ‬في لندن‮. ‬وعلي الرغم من أنها تلقت استقبالا‮ ‬مختلطا‮ ‬في نيويورك،‮ ‬إلا أن‮ "‬العودة إلي الوطن‮" ‬قد فازت بجائزة‮ "‬توني‮" ‬كأفضل مسرحية وعجرِضت لفترات طويلة في برودواي‮. ‬
تبدل التركيز
وبعد هذه المسرحيات الطويلة الأولي كل قصص الشخصيات الفاسقة في بيئات فاسدة بدل‮ "‬بنتر‮" ‬من تركيزه: فالمسرحيات الثلاث التالية دارت في عوالم الفن والنشر‮: "‬الأزمان القديمة‮" (‬1971‮) ‬و"أرض لا أحد‮" (‬1975‮) ‬و"الخيانة‮" (‬1978‮)‬،‮ ‬كل الدراسات من الذاكرة‮ ‬غير الموثوق فيها وغير المؤكدة للحب‮. ‬في‮ "‬الأزمان القديمة‮"‬،‮ ‬يواجه زوج وزوجة امرأة ربما قد يكونان قد عرفاها في الماضي أو لم يعرفاها من قبل‮. ‬
وفي‮ "‬أرض لا أحد‮" ‬يزور شاعر‮ ‬غير معروف مشجعا‮ ‬ثريا‮ ‬في إحدي الأمسيات التي يتذكر فيها المباريات والأدوار التي لعبها في الإنتاج الأصلي ل"جون جيجلود‮" ‬و"رالف ريتشاردسون‮" ‬اللذين كررا عروضهما في نيويورك السنة التالية‮. ‬إن‮ "‬الخيانة‮" ‬المسرحية الرشيقة،‮ ‬تدور حول الزواج والنفاق،‮ ‬وعلي الرغم من استخدامها التسلسل الزمني المعكوس،‮ ‬إلا أنها من ضمن أكثر أعمال‮ "‬بنتر‮" ‬سهولة‮. ‬وقد تحولت إلي فيلم سينمائي في‮ ‬1982‮ ‬بطولة‮ "‬جيري إيرونز‮" ‬و"بن كينجسلي‮" ‬و"باتريشيا هودج‮". ‬
وبعد مسرحية‮ "‬الخيانة‮" ‬أصبحت مسرحيات‮ "‬بنتر‮" ‬أقصر‮ (‬مثل‮ "‬نوع من آلاسكا‮") ‬ثم بعد ذلك لمدة ثلاث سنوات توقف‮. ‬يشرح‮: "‬شيء ما قد انقطع،‮ ‬الرغبة في كتابة شيء ما والعجز عن فعله‮". ‬وأضاف‮: "‬أعتقد أنني انهمكت أكثر وأكثر في القضايا الدولية‮". ‬
وفي الوقت نفسه استمر اشتغاله بالسينما ككاتب سيناريو مع المخرج‮ "‬جوزيف لوس‮" ‬الذي بدأ في‮ ‬1963‮ ‬بفيلم‮ "‬الخادم‮" ‬الذي يصور العلاقات الطبقية في بريطانيا‮. ‬وتلاه‮ "‬الحادثة‮" ‬عن بروفيسور مفتون بطالبة‮ (‬قام فيه كل من‮ "‬بنتر‮" ‬و"ميرشانت‮" ‬بدور صغير‮) ‬و"حل وسط‮" (‬1971‮) ‬عن صبي صغير يدخل في علاقة جنسية‮. ‬
وفي مسرحياته‮ "‬ضوء القمر‮" (‬صورة عن دمار العلاقات الأسرية تحت وطأة الخلافات‮) ‬و"من الرماد إلي الرماد‮" (‬قصة عن‮ "‬القائمين بالتعذيب والضحايا‮" ‬انعكست في زواج متحفظ تحفظا‮ ‬شديدا‮)‬،‮ ‬عاد‮ "‬بنتر‮" ‬إلي الشكل الأطول من المسرحيات التأملية الكئيبة‮. ‬
وكان عمله الأخير‮ "‬الاحتفال‮" (‬2000‮) ‬نظرة ساخرة علي زوجين يتمتعان بقوة الوعي،‮ ‬يتناولان العشاء في مطعم فاخر يحمل أوجه شبه مذهلة مع‮ "‬آيفي‮"‬،‮ ‬مكان شهير للتجمع المسرحي في لندن‮. ‬وقد استلهم‮ "‬الاحتفال‮" ‬ككاتب للمسرحية من الأيام الأولي التي عمل فيها ممثلا‮ ‬مؤقتا‮ ‬حينما عمل في وظيفة خادم مطعم‮ "‬نادي ليبرال ناشيونال‮". ‬ولأنه تجرأ علي أن يقحم نفسه في محادثة فيما بين العديد ممن كانوا يتناولون العشاء،‮ ‬فإنه استحق الطرد من العمل كخادم في المطعم‮. ‬
وقد عمل‮ "‬بنتر‮" ‬مخرجا‮ ‬للعديد من المسرحيات التي كتبها الآخرون خصوصا‮ ‬مسرحيات‮ "‬سسيمون جراي‮". ‬
وفي ديسمبر‮ ‬2001‮ ‬أثناء أحد الفحوصات الطبية الروتينية،‮ ‬وجد أنه مصاب بسرطان في المرئ‮. ‬وفي يناير‮ ‬2002،‮ ‬وفي أثناء تلقيه العلاج،‮ ‬مثل دورا‮ ‬قصيرا‮ ‬في مشهد من مسرحية هزلية له‮ "‬مؤتمر صحفي‮" ‬علي‮ "‬المسرح القومي‮" ‬في دور شرير كوزير للثقافة والذي كان فيما سبق رئيسا‮ ‬للشرطة السرية‮. ‬وفي سنة‮ ‬2006‮ ‬ظهر طوال أسبوع في مسرحية الرجل الواحد ل"بيكيت‮" ‬بعنوان‮ "‬الشريط الأخير لكراب‮" ‬في مسرح القاعة الملكية‮. ‬
يقول‮ "‬بنتر‮" ‬إنه يعتقد أن المسرح هو في الأساس استكشاف‮. "‬فحتي سوفوكليس العجوز لم يكن يعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك‮. ‬فكان يتحتم عليه أن يجد طريقه من خلال مناطق‮ ‬غير معروفة‮. ‬وفي الوقت نفسه كان المسرح دائما‮ ‬عملا‮ ‬نقديا‮ ‬ينظر فيه نظرة شاملة علي المجتمع الذي يعيش فيه محاولا‮ ‬أن يعكس ويضفي الطابع المسرحي علي هذه الاكتشافات‮. ‬إننا لا نتحدث عن القمر‮"‬‮. ‬
وقال عن الحديث عن الإدراك الحدسي للكتابة‮: "‬إنني أجد في النهاية الرحلة التي لا تنتهي بالطبع والتي عثرت علي أشياء منها‮". ‬
وأضاف قائلا‮: "‬أنا لا أتمادي وأقول‮: ‬إنني قد أضأت نفسي‮. ‬أنتم ترون أمامكم شخصا‮ ‬متغيرا،‮ ‬إنه إحساس سري أكثر بالاكتشاف الذي حدث للكاتب نفسه‮".‬
إن القليل من الكتاب هم الذين كانوا علي مر السنين متوافقين جدا‮ ‬في تناغم أعمالهم وتنفيذها‮. ‬فتماما‮ ‬قبل أن تبدأ البروفات علي‮ "‬الوست إيند‮" ‬علي مسرحية‮ "‬حفل عيد الميلاد‮" ‬منذ نصف قرن،‮ ‬أرسل‮ "‬بنتر‮" ‬رسالة إلي مخرجه،‮ "‬بيتر وود‮". ‬قال فيها‮: "‬إن المسرحية تجملي نفسها،‮ ‬لكنني أعترف بأنني كتبتها بقصد خبيث وبتعمد شرير لسياق تطوير بنيانها‮". ‬
وأضاف‮: "‬المسرحية كوميدية لأن حالة كل العلاقات عبثية وشائنة‮. ‬ومع ذلك،‮ ‬فهي‮ ‬كما تعرف عملا فنيا جادا وبالغ‮ ‬الخطورة‮". ‬

الاستبداد الأعظم في الغرب
‮ ‬هارولد بنتر‮ ‬
‮ ‬هارولد بنتر‮ ‬
هل يمكن أن يكون ذلك حقيقة؟ هل‮ "‬القوي العظمي‮" ‬الأخري في العالم تتحرك في النهاية صوب موقف تؤكد فيه كراهيتها لسلطة الولايات المتحدة بالقيام بفعل يجسد هذه الكراهية؟ فهذه هي السنة الرابعة التي تدين فيها الأمم المتحدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة علي كوبا،‮ ‬وفي هذه المرة صوت‮ ‬137‮ (‬بما فيها بريطانيا العظمي‮) ‬علي الإدانة مقابل ثلاث‮.‬
كانت الدول الثلاث المعارضة لحركة الإدانة هي الولايات المتحدة وإسرائيل وأوزبكستان‮. ‬
إن الاتحاد الأوروبي يأخذ الولايات المتحدة إلي فريق منظمة التجارة العالمية‮. ‬إن‮ ‬14‮ ‬من‮ ‬15‮ ‬عضوا‮ ‬في مجلس الأمن‮ (‬بما فيها بريطانيا العظمي‮) ‬صوتوا ضد فيتو الولايات المتحدة لبطرس بطرس‮ ‬غالي‮. ‬الولايات المتحدة بمفردها‮. ‬
كيف يمكن لأي بلد أن يقف ضد مثل هذا الإجماع؟ كيف يمكن لأي بلد في ضوء مثل هذه الإدانة الشاملة لسياساته وأفعاله ألا يتوقف ليفكر قليلا‮ ‬لكي لا يعرض نفسه لهذا النقد القاطع والخطير؟ إن الإجابة بسيطة للغاية‮. ‬فأنت مازلت تعتقد وتسمي كل الأصوات التي لا تصدر عنك علي أنها مجرد هراء‮. ‬إنك تقول وتتكلم بصورة‮ ‬غير مباشرة‮: ‬نعم،‮ ‬متأكد،‮ ‬أنا متحيز ومتغطرس ومن أوجه كثيرة جاهل،‮ ‬لكن ماذا في ذلك؟ أنا أمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية التي تساندني حتي النهاية،‮ ‬وأنا لا أهتم بمن يعرف هذا‮. ‬وحينما أقول إنني أعتلي أيضا‮ ‬القمة الأخلاقية،‮ ‬فمن الأفضل أن تصدقني‮. ‬قد تكون وحشية ولامبالاة واحتقارا‮ ‬وقسوة،‮ ‬لكنها أيضا‮ ‬منتهي الذكاء‮. ‬وبمنطق البائع فهي مبررة،‮ ‬والسلعة الأكثر مبيعا‮ ‬هي حب الذات‮. ‬إنها التي تفوز‮. ‬فالولايات المتحدة قد علمت نفسها بالفعل أن تحب نفسها‮. ‬استمع إلي الرئيس كلينتون ومن قبله بوش ومن قبله ريجان ومن قبله كل الآخرين يقول في التلفزيون كلمات‮: "‬الشعب الأمريكي‮"‬،‮ ‬كما في الجملة‮ "‬أنا أقول للشعب الأمريكي إنه الوقت ليصلي ويدافع عن الحقوق للشعب الأمريكي،‮ ‬وأنا أطلب من الشعب الأمريكي أن يثقوا في رئيسهم فيما يفعله،‮ ‬إنه بسبيله أن يأخذ بالنيابة عن الشعب الأمريكي‮". ‬بكاء أمة‮.‬
إنها خدعة ذكية تماما‮. ‬فاللغة تجوظّف بالفعل لتبعدك عن التفكير‮. ‬فالكلمة تزود الشعب الأمريكي بوسادة حسية ناعمة بالفعل من التأكيد والتطمين‮. ‬أنت لا تحتاج لأن تفكر‮. ‬فقط لتسترخي وتريح رأسك علي الوساة الوثيرة‮. ‬ربما تكون الوسادة تخنق ذكاءك وملكاتك النقدية،‮ ‬لكنك لا تعرف ذلك‮. ‬لا يخبرك أحد‮. ‬لذا تظل الحالة الراهنة علي ما هي عليه،‮ ‬ويظل أبو الأعياد هو الميلاد الأمريكي،‮ ‬وتظل أمريكا أرض الشجعان ووطن الأحرار‮. ‬
ماعدا بالطبع أن‮ ‬5‭,‬1‮ ‬مليون في السجن،‮ ‬و50‮ ‬مليونا يعيشون تحت خط الفقر،‮ ‬وأن المراهقين والمعوقين عقليا‮ ‬علي وشك أن يجعدموا بالغاز أو يجحقنوا بالحقنة المميتة أو يجصعقوا بالصدمة الكهربائية في‮ ‬38‮ ‬من‮ ‬52‮ ‬ولاية تجنفذ أحكام الإعدام‮. ‬إنهم لا يشعرون بالمثل بطمأنينة هذه الوسادة،‮ ‬لكن لا أحد ينصت إليهم علي أية حال،‮ ‬حيث إن معظمهم فقراء وسود ومجدّمرون من الأساس‮. ‬إنهم مجدمرون لأنهم طالما كانوا ممتعضين وناقدين ومنحطين وغاضبين،‮ ‬فهم يهددون استقرار الدولة‮. ‬الشيء الوحيد الذي لديهم هو الله‮. ‬إذا هم أرادوه‮. ‬الله ينتمي إلي كل أمريكي‮. ‬فالرؤساء الأمريكيون المتعاقبون قد بينوا هذا الأمر بمنتهي الوضوح‮. ‬أحيانا‮ ‬أنت تنظر إلي التاريخ الحديث وتسأل‮: ‬هل بالفعل حدث كل هذا؟ هل ذجبِح نصف مليون‮ "‬شيوعي‮" ‬في إندونيسيا في سنة‮ ‬1965‮ (‬أعاقت الجثث سريان النهر)؟ هل مات‮ ‬200‮ ‬ألف في تيمور الشرقية في سنة‮ ‬1975‮ ‬علي يد الغزاة الإندونيسيين؟ هل مات‮ ‬300‮ ‬ألف شخص في أمريكا الوسطي منذ‮ ‬1960؟ هل وصل اضطهاد الشعب الكردي في تركيا إلي مستويات تقترب من حد الإبادة الجماعية؟ هل الأطفال العراقيون الذين يموتون كل شهر بسبب نقص الطعام والدواء أثر بشيء في عقوبات الأمم المتحدة الاقتصادية؟ هل الانقلابات العسكرية في الأرجنتين وأراوجواي والبرازيل وشيلي نجم عنها مستويات من القمع والمعاناة العميقة مثل ألمانيا النازية وروسيا الستالينية هاردلدبنتر والكامير روج؟ وهل الولايات المتحدة بدرجة أو بأخري ألهمت كل هذه الدول وأنشأتها وقدمت لها العون وحافظت علي علاقاتها معها؟ الإجابة هي نعم‮. ‬كان لها وفعلت‮. ‬لكن لا ينبغي أن تعرف هذا‮. ‬
لم يحدث أبدا‮. ‬لم يحدث شيء أبدا‮. ‬وحتي حينما كان يحدث لم يكن يحدث‮. ‬لا يهم‮. ‬لم يكن له أهمية‮. ‬إن جرائم الولايات المتحدة في شتي أرجاء العالم كانت نظامية وثابتة بلا أحاسيس ووحشية وموثقة بالكامل،‮ ‬لكن لا أحدا‮ ‬يتحدث عنها‮. ‬لم يفعل أحد‮. ‬فربما أكثر من صحيفة أو قناة تلفزيونية علي الهواء تستحق أن تفعل هذا‮. ‬وربما يجب أن يجقال حيث إن الضرورة المطلقة للتحكم الاقتصادي تقع في القاع من كل هذا،‮ ‬فأي متفرج برئ يرفع رأسه يجب أن يجركل في أسنانه‮. ‬هذا منطقي بالكامل‮. ‬السوق يجب وسوف تسود‮. ‬
ربما كانت القصة التي تدعو إلي الدهشة حقيقة أو التي تعزف الموسيقي أو تلك التي تجعل القطة تضحك هي قصة‮ "‬هاييتي‮"‬،‮ ‬القصة الحقيقية التي تجاهلها العالم لعقود‮. ‬فقد كانت‮ "‬هاييتي‮" ‬تحت حكم الديكتاتور الرهيب‮ "‬دوفاليه‮" ‬وقواته شبه العسكرية،‮ "‬التونتونز ماكوتس‮"‬،‮ ‬علي مدي‮ ‬29‮ ‬عاما‮. ‬ومع سنة‮ ‬1986‮ ‬تنامي شعور شعبي قوي جدا‮ ‬لدرجة أن نظام‮ "‬دوفاليه‮" ‬قد انهار‮. ‬وتبعه ديكتاتوريات عسكرية أخري،‮ ‬لكن في سنة‮ ‬1990‮ ‬جرت أول انتخابات ديمقراطية في‮ "‬هاييتي‮". ‬وانتجخِب الرئيس‮ "‬أرستيد‮" ‬بنسبة‮ ‬67٪‮ ‬من الأصوات‮. ‬برنامجه‮: "‬أن يخلص الشعب الهاييتي من التعاسة ويسمو به إلي الكرامة‮". ‬وبعد ثمانية أشهر حدث انقلاب مفاجئ‮. ‬ولمدة ثلاث سنوات تولي العسكريون الحكم مرة أخري‮. ‬وخلال تلك الفترة قجتِل‮ ‬5000‮ ‬شخص‮. ‬وفي النهاية كانت الولايات المتحدة مججبرة علي أن تتحرك‮. ‬قادت قوة من الأمم المتحدة إلي الجزيرة ل"استعادة الديمقراطية‮". ‬
ما فعلته حقيقة هو استعادة الحالة الراهنة،‮ ‬لكي تعطي الجنرالات طرقا‮ ‬مختلفة للجوء السياسي والحماية وتجضعِف‮ "‬أرستيد‮" ‬بصورة فعالة‮. ‬فسياساته الاقتصادية التي انتجخِب من أجلها قد استجبعِدت‮. ‬وتحرك صندوق النقد الدولي والبنك العالمي‮. ‬لقد أصرا علي تطبيق سياسة التعديل الهيكلي التي تهدد كل أمل في تنمية عادلة وتقدم في البلد‮. ‬وقد أشار الناس إلي هذه الخطة علي أنها‮ "‬خطة الموت‮". ‬إنها سوف تدمر الاقتصاد الريفي للبلد‮. ‬وأخذ جيش الولايات المتحدة من قادة الجيش الهاييتي‮ ‬16‮ ‬ألف صفحة من الوثائق‮. ‬ورفضت حكومة الولايات المتحدة أن تعيد هذه الوثائق‮. ‬لماذا؟ خمن‮. ‬فالوثائق تجظهِر مدي تورط وكالة المخابرات الأمريكية في الانقلاب الذي أطاح بحكم‮ "‬أرستيد‮" ‬في سنة‮ ‬1991‮. ‬
في النهاية قصيدة رثاء‮. ‬الستائر أجسدلت،‮ ‬والأنوار أجطفِأت‮. ‬كما لو أن الأمر لم يحدث أبدا‮. ‬في نيكارجوا في سنة‮ ‬1979،‮ ‬انتصر‮ "‬الساندينيستا‮" ‬في ثورة شعبية مميزة ضد الدكتاتور‮ "‬سوموزا‮". ‬ومضوا يخاطبون بلدهم المطحون بالفقر بكل نشاط وشعور بالمسئولية بصورة لم يسبق لها مثيل‮. ‬وأدخلوا حملة للقضاء علي الأمية والوقاية الصحية لكل المواطنين الذين لم يسمع بهم أحد في الإقليم،‮ ‬ناهيك عن أرجاء القارة بأكملها‮. ‬كان ل"الساندينيستا‮" ‬العديد من الأخطاء،‮ ‬لكنهم كانوا مفكرين وعقلانيين ومهذبين يخلون من الأحقاد والضغائن‮. ‬لقد قاموا بخلق مجتمع تلقائي حيوي ومتعدد المذاهب‮. ‬إن الولايات المتحدة قد دمرته من خلال كل الوسائل لحسابها وبتكلفة‮ ‬30‮ ‬ألف قتيل،‮ ‬الشيء الملعون الكلي‮. ‬وهم فخورون بهذا‮. ‬
إن الدافع السائد في هذه الأيام هو‮: "‬أوه،‮ ‬تعالي،‮ ‬كل شيء كان في الماضي،‮ ‬لا أحد يهتم بالمزيد،‮ ‬إن هذا لا يفلح،‮ ‬هذا كل شيء،‮ ‬كل فرد يعرف ماذا يشبه الأمريكيون،‮ ‬لكن كجف عن سذاجتك،‮ ‬هذا هو العالم،‮ ‬لا شيء يمكن فعله إزاء ذلك،‮ ‬وعلي أية حال عليها اللعنة،‮ ‬من يهتم؟‮". ‬بالتأكيد كما يقولون،‮ ‬بالتأكيد‮. ‬لكن دعني أضعها علي هذا النحو الموتي مازالوا ينظرون إلينا بثبات،‮ ‬ينتظرون منا أن نعترف بدورنا في قتلهم‮. ‬
عن الجارديان التي أعادت نشر المقالة التي كتبها‮ ‬بنتر
‮ ‬في ديسمبر‮ ‬1996
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: