|
|
| السنة - | 795 | ه - العدد | 1429 | شوال | من | 5 | - م | 2008 | أكتوبر | من | 5 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:53:38 AM |
 |
الساعة - |
 |
10/6/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| نقطة عبور |
 |
|
|
إضاءة الماضي لفهم الحاضر
جمال الغيطاني
بدأت علي الفور قراءة المخطوط الذي تقدٌمه "دار العين" إلي القارئ لأول مرة بعد تسعة وخمسين عاما من مناقشة هذه الرسالة العلمية الفريدة في جامعة القاهرة. من خلالها عشت مع شخصيتين تمثلتهما واستعدتهما مرارا.
حيدر أباد..
لكم أثار هذا الاسم مجخيٌلتي، ليس لأنه اسم يقترب من أسماء المدن الأسطورية التي وردت في ألف ليلة وليلة، ولكن للدور الثقافي الذي قامت به في خدمة الثقافة الإسلامية، العربية، في مكتبتي عناوين نادرة من التراث العربي طجبعت في دائرة المعارف الإسلامية، بعضها لم يصدر عن أية جهة نشر في العالم العربي حتي الآن، أكثر من خمسمائة عنوان نادر، يكفي أن أذكر "رسائل ابن عربي" للشيخ الأكبر، و" الإلمام بما جرت به الأحكام «لمحمد بن قاسم محمد النوري الإسكندراني، والذي يسجٌل وقائع غزوة القبارصة للمدينة في القرن الثامن الهجري، حققه الدكتور عزيز سوريال عطية وصدر من حيدر أباد في سبعة مجلدات، للأسف توقفتْ دائرة المعارف العثمانية عن النشر لظروف متعددة، ويظل دورها مجهولا عند الكثيرين من الناطقين بالعربية، خلال سفري إلي الصين قطعت الطائرة الهند من أقصاها إلي أقصاها، وأثناء التحليق فوق جنوب الهند، وقرب البحر الذي يفصل البلد الكبير عن نيبال، فوجئت بأننا نحلق فوق حيدر أباد، إنها في عمق الهند إلي الجنوب الشرقي ، تذكرت ما قاله صديق ممن خبروا الهند وعرفوها عن قرب، أن أهم المراكز الثقافية الإسلامية موجود في الهند. ثم فاجأني الصديق نائل الشافعي. خبير الاتصالات المقيم في الولايات المتحدة، مؤسس موسوعة "المعرفة" الإلكترونية التي توجد بها الآن كافة الإصدارات التي طبعتها دائرة المعارف العثمانية في حيدر أباد ، فاجأني بهذا البحث القيم عن "المختار بن أبي عبيد الثقفي" عن ثورته ونتائجها، وبالطبع أسبابها. بدأت علي الفور قراءة المخطوط الذي تقدٌمه "دار العين" إلي القارئ لأول مرة بعد تسعة وخمسين عاما من مناقشة هذه الرسالة العلمية الفريدة في جامعة القاهرة. من خلالها عشت مع شخصيتين تمثلتهما واستعدتهما مرارا.
الأول، الباحث الذي جاء من الهند إلي القاهرة ليدرس العربية ويتقوٌي فيها، ثم يتقدٌم إلي جامعة القاهرة بموضوع هذه الرسالة التي أشرف عليها الدكتور حسن إبراهيم حسن، أحد أكبر العلماء المتخصصين في التاريخ الإسلامي عامة. وتاريخ الدولة الفاطمية خاصة، وقد صدر بحثه القيٌم في ثلاثة مجلدات، المؤلف هو الدكتور أبي النصر محمد خالدي، طوال قراءتي للبحث كان ماثلا أمامي، أحيانا نشعر بوجود المؤلف في البحث العلمي الذي كتبه رغم أنه لا يذكر شيئا عن نفسه، كنت أحاول تجسيد رحلته العلمية في المكان والزمان، منذ ولادته عام 1916 في حيدر أباد، ثم بدء رحلته العلمية، إن التفاصيل موجودة في المقدمة التي كتبها ابنه الدكتور عمر خالدي، وفيها يكشف عن مسار عالم كبير كان هدفه تحصيل العلم والتفوٌق فيه منذ أن التحق بالمدرسة، حتي وصوله إلي القاهرة عام 1946 ليبدأ دراسة الدكتوراة، إن التفاصيل العلمية والإنسانية التي نقرأها في مقدمة الابن الذي يعمل حاليا ويقيم في الولايات المتحدة، تكشف عن جانب مهم من العلاقات الثقافية بين القاهرة وحيدر أباد ، بين جامعة القاهرة والحياة الثقافية في المراكز الإسلامية الكبري بالهند، والتأثير المتبادل والتفاعل، ثمة نقطة أشير إليها تتعلق بالابن عمر الخالدي الذي يشغل مكانة علمية مهمة في معهد (MIT) بالولايات المتحدة، وتتعلق بإصراره علي إخراج هذه الرسالة العلمية المهمة إلي النور ونشرها في القاهرة، كم من الأبحاث المهمة تمت مناقشتها وحصل أصحابها علي درجات علمية رفيعة لكنها لم تخرج إلي القراء، لم تعم فائدتها، وكان ممكنا لهذا البحث القيٌم أن يلقي المصير نفسه لولا إصرار الابن ، الذي وجد صدي عند الدكتورة فاطمة بودي مدير الدار، والتي تحمست لنشرها وإخراجها إلي القراء بعد ستين عاما من مناقشتها في جامعة القاهرة، لقد تأثرت كثيرا بتجسيد حياته من خلال هذه التفاصيل الدقيقة التي وردت في مقدمة الدكتور عمر خالدي، عن حياة والده العلمية سواء في حيدر أباد، أو القاهرة، وأتمني أن يكون نشر هذه الرسالة فاتحة لاستئناف الاهتمام بمراكز الثقافة الإسلامية الكبري في الهند، ومن أهمها حيدر أباد.
الشخصية الثانية التي توقفت أمامها طويلا ، هو المختار ابن أبي عجبيد الثقفي، وفي حدود ما قرأت، فتلك أول دراسة شاملة أطالعها عنه، بالنسبة لي كانت معرفته من خلال مصادر التاريخ الإسلامي المبكرة والتي اعتمد عليها الباحث في إعداد رسالته العلمية التي تحلل بعمق الظروف التاريخية التي أدت إلي ظهور المختار علي مسرح الأحداث الدامية التي أعقبت استشهاد الحسين عليه السلام، يتصل الأمر بما أطلق عليه عميد الأدب العربي طه حسين " الفتنة الكبري " وتداعياتها المستمرة حتي عصرنا الحالي، بل يبدو أن أمور المسلمين تزداد تعقيدا بعد خمسة عشر قرنا من نزول الرسالة، فالفجرقة تتٌسع والدعوات إلي تعميق التقسيم تتزايد بدلا من الدعوة إلي التقارب وردم الفجوات خاصة بين أهل السنة والشيعة، ويوجد من لديه الأسباب لتعميق الهوة. غير أن العناصر الداخلية الفاعلة تظلٌ أخطر وأقوي، خاصة مع الجنوح إلي التطرف، وعدم فهم روح العصر وما يجري في العالم، من هنا تبدو أهمية هذه الدراسة لأنها تسلٌط الضوء علي فترة حساسة، كثير من تفاصيلها ما يزال ممتدا حتي الآن، هذا ما يجضفي قيمة إضافية وبعدا حيويا علي ظهورها الآن ، إضافة إلي قيمتها العلمية، جزي الله العلامة أبو النصر محمد خالدي خيرا علي علمه وجهده.
يصدر الكتاب خلال أيام عن دار العين
|
|
|
|