دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -795ه - العدد1429شوالمن5- م2008أكتوبر من5 الأحد
بتوقيت القاهرة 11:23:14 AM الساعة - 10/6/2006 آخر تحديث يوم
      ساحة الإبداع
دموع الإبل
محمد إبراهيم طه‮ ‬
1
لم أقصد حين‮ ‬غنيت أن أخدع الإبل المحملة بالبطيخ‮. ‬كان قصدي أن تهون المسافات،‮ ‬فلم أنتبه،‮ ‬وقد استغرقني الغناء،‮ ‬إلي أنني كان يجب أن أجريح القافلة في ثلاثةي‮ ‬علي الأقل من النجوع الإثني عشر التي مررت بها،‮ ‬فقيٌّدني الجمٌالون بالحبال وظلٌت حياتي مرهونة بعودة العافية إلي الإبل التي بركتْ‮ ‬في إعياء ومطت أعناقها علي الأرض‮. ‬سألوني إذا لم أكن قد انتبهت إلي الدموع التي كانت في عيونها،‮ ‬فقلت إنها كانت تهطل منذ خرجنا من أول نجع،‮ ‬لكنهم أحكموا الكمامة علي فمي‮. ‬
طوال الليل وأنا أصغي إلي تنفس الإبل المشرفة علي الهلاك،‮ ‬متوقعا بين لحظة وأخري انغراز السكين في عنقي،‮ ‬حتي سمعتج‮ ‬مع الفجر بقْلّلّة إبل،‮ ‬فحل الجمٌّالون الكِمامة والعجصابة وقيديْ‮ ‬الرسغين والرجلين،‮ ‬ثم أطلقوني خارج المهجع‮.‬
ظللت أجري في ضوء النجوم بلا هدي،‮ ‬لا يؤنسني إلا الضباب الذي لاح علي مشارف القري،‮ ‬وروائح الغيطان وملمس الطين تحت قدمي‮. ‬تحسست آثار القيود،‮ ‬فاستشعرتج‮ ‬طعم الحياة التي كجتبتْ‮ ‬لي،‮ ‬وبدت هالات الضباب الجاثمة في الجو مثل حلوي شعر البنت‮.‬
‮ ‬ لحد إمتي هحوش عنٌّك الموت؟
تكلمتْ‮ ‬امرأة ثم مرت‮. ‬كأنها تحدث نفسها‮. ‬نبرة الكلام كانت معاتبة،‮ ‬ولم يكن أحد قريبا من الموت مثلي‮. ‬نظرات الجمالين كانت تشي بذلك،‮ ‬فالإبل إذا مرضتْ‮ ‬تموت‮. ‬لهثتج‮ ‬خلفها وهي تبين وتختفي،‮ ‬والضباب النازل يختلط برائحة سبات آتية من خلف الأبواب المغلقة،‮ ‬وحين صار بوسعي تبين ملامحها وهي تسير من شارع إلي حارة،‮ ‬دخلتْ‮ ‬من باب موارب ثم أغلقّتْه‮. ‬
ظللت أطرق الباب بلهفة،‮ ‬فانفتح عن كامل يوسف بعيونه المختلطة بالنوم‮. ‬ارتبكتج،‮ ‬لكنه قال وهو يتثاءب‮:‬
اتأخرت ليه؟
‮ ‬ثم طرق باب المندرة الجانبية،‮ ‬ونادي وهو في طريقه لحجرة داخلية ليكمل نومه‮: ‬
يا حاجة‮! ‬سالم جالك‮.‬
ألجمّتْني الدهشة حين رأيت الحاجة سلمي في ملابسها البيضاء‮. ‬عينان واسعتان كعيني بقرة رضيعة،‮ ‬ووجه مستدير كمترد حليب،‮ ‬وضفيرتان محلولتان من أسفل تستريحان علي الصدر‮. ‬سحبتْ‮ ‬من تحت فخذها حاشية مسند وأشارت لي بالجلوس،‮ ‬فتذكرتج‮ ‬أن كامل أخبرني أنها تريدني‮. ‬خجلتج‮ ‬من نفسي لأنني قلت له‮:" ‬بجكْره إنشاء الله‮" ‬وفي نيتي ألا أجيء قبل أن ينتهي موسم البطيخ‮. ‬تأملتني بهدوء وقالت‮: "‬عامل إيه دلوقتي‮"‬،‮ ‬وفيما كان النور يشع من وجهها،‮ ‬تماما مثلما قال حنا،‮ ‬من مفرق الشعر إلي المنحر ومنبت الثديين،‮ ‬قلت بخجل‮:‬
الحمد لله‮.. ‬إنت كنت خارجة بدري قوي كده ليه؟
ردت مستغربة‮:‬
أنا‮..‬؟ من امتي وأنا بخرج ؟
‮> > >‬
منذ بدأت أعي وهذا الباب مغلق‮. ‬لا تغادر سلمي عتبته،‮ ‬ولا يعرف أحد عن ملامحها‮ ‬غير ما تناقلته النسوة اللاتي دخلن عليها،‮ ‬ولا يذكر الرجال منها سوي ما تحمله ذاكرة الصبا عن بنت في زيي‮ ‬مدرسي مجسم عند الخصر ضاق فجأة،‮ ‬أو كبرت فجأة،‮ ‬فأعفاها الناظر إبراهيم منتصر من الالتزام به،‮ ‬وحضرت بجلباب منزلي،‮ ‬لكنها ظلت تنضج،‮ ‬فأخذها من يدها إلي زوجته المرحومة الحاجة صديقة،‮ ‬ففصٌّلتْ‮ ‬لها جلبابا أسمر وطرحة سمراء للمدرسة،‮ ‬لكنها بلغت من الفتنة حتي وهي تبكي ما دفع العمدة محمود أبو حبل أن يسير خلفها،‮ ‬ويطرق الباب الذي دخلتْ‮ ‬منه عازما نفسه علي شاي‮. ‬في منتصف الكوب،‮ ‬صمت عفيفي فقال العمدة‮: ‬الفاتحة للنبي،‮ ‬ثم طلب البنت التي دخلت من هنا،‮ ‬وأشار إلي الباب،‮ ‬وقبل أن يرد عفيفي،‮ ‬خرجت سلمي كجيص علي‮ ‬غفلة وقالت‮:" ‬دار العمدة لأ‮.. ‬يا با‮" ‬فتلقٌّتْ‮ ‬الكف الأول بصمت أذهل العمدة وقال لعفيفي إنها عيٌِلة،‮ ‬لكنها انقضت مع الكف الثاني الأشبه بخف الجمل علي يده وقالت باستماتة‮:" ‬دار العمدة‮.. ‬لأ‮.. ‬خصيمك النبي‮" ‬فارتبك عفيفي وانهال عليها بكفيه في جنون حتي فكت يديها القابضتين علي طوق جلبابها،‮ ‬فبان الشق الذي أحدثه سعيد ابن العمدة منذ قليل أمام دار يوسف الطبال‮.‬
ورغم أنه لم يعرف إذا ما كان العمدة يطلبها لنفسه أم لابنه سعيد،‮ ‬إلا أنه خرج إليه هادئا،‮ ‬وقال له‮: ‬كل شيء نصيب،‮ ‬وأنه قرأ الفاتحة مع واحد آخر‮. ‬حاول العمدة أن لا يبتلع الإهانة،‮ ‬وتساءل في سخرية إذا كان بإمكانه أن يعرف هذا الواحد،‮ ‬فقال عفيفي بارتياح وهو يتنهد‮: ‬كامل يوسف‮. ‬قذف العمدة كوب الشاي من يده وجأر‮:‬
كامل بن يوسف الطبال‮!!.. ‬أما إنك رجل واطي صحيح‮.‬
‮> > > ‬
أفقتج‮ ‬علي سؤالها‮:‬
إيه اللي عملته في الجمال امبارح؟
فاجأني السؤال،‮ ‬فلم يكن أحد قد علم بذهابي إلي العرب،‮ ‬كما أن أحدا هنا لم يكن علم بعد بما حدث للإبل،‮ ‬ولم أعرف إن كان سؤالها ينطوي علي إدانة أم إعجاب،‮ ‬لكنني بادرت بالدفاع عن نفسي‮:‬
ما كانش قصدي‮.‬
ربتّتْ‮ ‬رأسي وقالت إنها تعرف،‮ ‬وأزاحت ضفيرتيها إلي الخلف ولفٌّتْ‮ ‬الطرحة حول وجهي‮ ‬منير،‮ ‬افتجتِنّ‮ ‬باستدارته سعيد أبو حبل فزنقها في حائط يوسف الطبال ومزق ثوبها،‮ ‬وافتتن بحزنه محمود أبو حبل العمدة،‮ ‬فتبعها حتي البيت،‮ ‬دون أن يعرف أحدهما ما فعله الآخر‮. ‬
‮ ‬نادت بصوت خفيض علي كامل الذي دخل منذ قليل ليكمل نومه،‮ ‬فوقف بالباب وتساءل بهدوء‮:‬
نعم يا حاجة؟
سالم مش هيفطر؟
يفطر‮.. ‬من عينية يا حاجة‮.‬
لم يتغير كامل‮. ‬هادئ ورزين،‮ ‬تطل من عينيه نظرة ضعف حتي وهو يبتسم‮. ‬يؤدي كل شيء برضا،‮ ‬فيقف في طابور العيش،‮ ‬وأمام مستودع الغاز،‮ ‬ويذهب إلي السوق ويخرج إلي الدكاكين،‮ ‬ويجهز الطعام ويؤكل الطيور،‮ ‬ويكنس الشارع ويرش الماء أمام دار ذات باب مغلق دائما،‮ ‬لم يركض بين جنباتها طفل،‮ ‬ويبوس كفه من الأمام والخلف،‮ ‬وينظر إلي السماء برضا قائلا لمن يلمٌيح له بالزواج،‮ ‬إن أمنيته كانت أن يجمعه بسلمي مكان واحد،‮ ‬وقد تحققت‮. ‬
سألتني عما‮ ‬غنيتج‮ ‬للإبل،‮ ‬فتذكرتج‮ ‬الموت الذي كنت ذاهبا إليه‮. ‬قلت للجمالين‮: ‬لا أعرف الطريق،‮ ‬فقالوا‮: ‬الإبل تعرف،‮ ‬فسرت بأصدقائي العشرين علي مدقات في الرمال،‮ ‬حتي دفعتني وحشة الرمال إلي الغناء،‮ ‬فأنشدت‮: ‬
ألفين صلاة ع النبي‮.. ‬ألفين صلاة ع الزين
مدح الحبيب مكسبي‮.. ‬والصبر آخره زين
كنت منهمكا في الغناء فلم أعي أسماء النجوع التي مررنا بها،‮ ‬ولا كم من الزمن مر حتي حدث ما حدث في كوم ربيع‮. ‬قلت‮: ‬قرابة نهار،‮ ‬وقال الجمالون‮: ‬نهاران وليلة‮. ‬صاحبتني سلمي في الغناء‮. ‬كانت تدور بنظراتها في السقف هائمة،‮ ‬وحين تلاقت عينانا،‮ ‬ارتسمتْ‮ ‬علي شفتيها ابتسامة،‮ ‬فدخلتج‮ ‬في أغنية ثانية،‮ ‬وسندّنا كامل من بعيد بالدٌجف‮. ‬كنا جالسيْن فلم أعرف متي وقفنا،‮ ‬ولا متي انْضمٌّ‮ ‬إلينا عابد بالناي‮. ‬كانت الصاجات بين أصابعها تفرقع بلا ابتذال،‮ ‬وأنا أنتقل من موال إلي آخر كأنما أهوي في منزلق،‮ ‬لا أملك القدرة علي التوقف،‮ ‬حتي صرنا كإبل مجهدة‮. ‬حين لمعتْ‮ ‬الدموع في عينيها،‮ ‬تذكرتج‮ ‬آخر ما قلت للإبل في كوم ربيع،‮ ‬فأنشدتج‮:‬
يا سيدة‮ .. ‬يا سيدااااة يا ام الشموع الآيدة
يا اخت الحسن واخت الحسين‮ ‬يا بنت أكرم والداااااة
سألتني وهي تمسح الدموع،‮ ‬إن كنت أدري أنني كنت علي مقربة من مرج عامر،‮ ‬ولو لم أختم بمديح أم هاشم لدخلت الإبل إلي المرج،‮ ‬ولو دخلتْ‮ ‬لما رجعتْ‮. ‬قلت بدهشة‮: ‬لم أدري،‮ ‬وكان المرج في رأسي منطقة مبهمة‮. ‬نقطة معلقة في الفراغ‮ ‬لا يمكن الوصول إليها،‮ ‬لكنه بحسب كلامها الذي تطابق مع كلام الجمالين صار محددا،‮ ‬فقد مررت باثني عشر نجعا استعدتها نجعا بنجع،‮ ‬وجمعت المسافة،‮ ‬لكنها أوقفتني‮:‬
اللي ياخد يومين وليلة في المرواح وساعتين في الرجوع ميتحسبش كده‮.‬
‮ ‬اندهشتج‮ ‬كيف عرفتْ‮ ‬ما يدور بذهني،‮ ‬ودخل كامل بصينية الفطور،‮ ‬فعدلتج‮ ‬عن التفكير في المرج بهذه الطريقة،‮ ‬وكنت منذ خروجي بالإبل،‮ ‬لم أضع شيئا في فمي‮. ‬كان علي الصينية الخبز وطبق البيض والجبن والبطاطس‮. ‬كانت تضع الطعام في فمي كطفل وأنا أنظر إليها بينما تتكلم بطمأنينة،‮ ‬يخرج الكلام من بين شفتيها بلا مشقة هادئا يبعث علي الاسترخاء والراحة،‮ ‬حتي فاجأتني‮:‬
مش عايز تشتغل ليه معانا؟
توقفتج‮ ‬عن المضغ،‮ ‬فقد كنت أخشي هذا السؤال،‮ ‬قلتج‮ ‬في خجل‮:‬
هاشتغل إيه يا حاجة؟
ولا حاجة‮.. ‬هتغني اللي‮ ‬غنيته للجِمال‮. ‬
أومأتج‮ ‬برأسي،‮ ‬وأنا أواصل المضغ،‮ ‬فصرختْ‮ ‬كطفلة علي كامل فجاء ممتثلا‮: ‬نعم يا حاجة؟ قالت وهي تبتسم‮: ‬
سالم مش هيشرب شاي؟
يشرب يا حاجة‮.. ‬من عينية
2
ذهبتج‮ ‬إلي سلمي يوم الأربعاء‮. ‬ظلت تتفحصني بنظراتها من فوق لتحت،‮ ‬كأنها تفتش عن شيء ناقص بين جلبابي الأبيض واللاسة والحذاء،‮ ‬وحين مدت يدها وأزاحت طاقيتي إلي الخلف،‮ ‬انفرجتْ‮ ‬أساريرها مرة واحدة ونادت‮:‬
يا كامل‮.. "‬العيون الكواحل‮".‬
من مجسجٌِل ناشيونال قديم انطلق مصمودي ثقيل،‮ ‬مثٌّله كامل بيده أولا،‮ ‬أربع حركات وساكنة،‮ ‬قبل أن نصاحب المسجل‮: ‬عابد بالناي وأنا بالغناء وهي بالصاجات،‮ ‬والتفاهم بالإشارة‮. ‬في الإعادة ازداد التناغم بيننا وبين المسجل،‮ ‬فجاءت الإشارات من عينيها مشجعة‮. ‬أعدنا فاقترب صوتي جدا من صوت فايزة‮. ‬أعدنا حتي اقترب اللحنان،‮ ‬فانسجمتْ‮ ‬رنة الصاجات في يديها المرفوعتين لأعلي،‮ ‬وتمايل عابد من النشوة،‮ ‬وسقطت الدموع من عيني كامل وبالغ‮ ‬في النقر علي الدٌجف‮. ‬أعدنا حتي تصبب العرق وتطابق اللحنان تماما حتي أنني لم أدرك،‮ ‬عندما دققت،‮ ‬منذ متي علي وجه التحديد كان كامل قد أطفأ المسجل‮.‬
‮> > >‬
توقف الشناوي عن العدد عندما فوجئ بي داخلا من البوابة ونادي‮:‬
الأخ أبو جلابية بيضا‮ .. ‬الأخ بتاع الجمال‮!!‬
حجزني عن باب الدخول بيدي‮ ‬وواصل العدٌّ‮ ‬بينما يجدخل الآخرين بيده الأخري‮:‬
معلهش معندناش شغل‮.‬
قلت موضحا‮: ‬
أنا جاي اشتغل‮ .. ‬مش جاي ألعب‮!‬
لم يتوقف عن العدد حتي وصل للرقم أربعين،‮ ‬وكان المتزاحمون قد انفضوا إلي المحلج،‮ ‬ولم يبق سواي،‮ ‬فقال وهو ينفض جلبابي الأبيض بتهكم‮:‬
معندناش لك مكتب‮!‬
شهران من التكالب مع مئتي نفر أمام معصرة أبو سرج،‮ ‬ينتقي منهم الريس شناوي أربعين،‮ ‬وقبل أن يصل إلي الثلاثين،‮ ‬أتسحب مع الواقفين في الخلف إلي محلج العطار،‮ ‬وما لم ألحق بالمحلج،‮ ‬لا يبقي أمامي سوي سوق الرجال‮. ‬عمال هدم وحفر وبناء،‮ ‬شيالون وكسارون وفواعلية،‮ ‬كل بمعداته عدا الشيالون،‮ ‬يستندون إلي سور الكوبري بأيد خاوية من أي معدات‮.‬
استندتج‮ ‬إلي السور،‮ ‬فأشاروا لي أن أوسع المسافة،‮ ‬فالرزق لا يحب التزاحم،‮ ‬وكانت عيونهم تفتش عن زبون من بين القادمين من شارع سعد زغلول أو الجيش باتجاه المزلقان،‮ ‬أو القادمين من القري عبر الكوبري،‮ ‬يلاحقونه في إلحاح،‮ ‬ولا يتركونه إلا إذا اقتربتْ‮ ‬قسوته من قسوة الريس شناوي‮. ‬كتبتج‮ ‬علي ورقة‮: ‬نفر وبخط أكبر‮: ‬شيال،‮ ‬وجلستج‮ ‬خلفها علي بغلة الكوبري فلم يقرأها أحد،‮ ‬فالزبون لا يصل أصلا إلي السور،‮ ‬لأنهم يهرولون إليه ويتزاحمون حوله‮. ‬في نهر الكوبري،‮ ‬فتح شاب نحيف مطواة وطاح فيهم فجأة‮:‬
إيه ده يا أولاد الوسخة‮.. ‬أسيبكم شوية ألاقيكم عاملينها لي سويقة؟
نظٌّف المزلقان وسور الكوبري من الواقفين،‮ ‬وطوي المطواة ووضع كفيه في خاصريه،‮ ‬وحدق من منتصف المزلقان في كل اتجاه‮:‬
مشفش حد منكم يا ولاد الوسخة مرة تانية‮.‬
ثم اقترب من بغلة الكوبري وشاط لافتتي،‮ ‬فطارت في الماء وزرٌّ‮ ‬طوق جلبابي متسائلا بشراسة‮:‬
بقالك قد إيه هنا يالاه؟
أخذتني المفاجأة،‮ ‬فالتجم لساني،‮ ‬وعجزتج‮ ‬عن المقاومة‮. ‬اقتربوا بفئوسهم ومقاطفهم وقصعاتهم في حذر،‮ ‬طيٌّبوا خاطره،‮ ‬وتطوع أحدهم كأنما ليهدئه،‮ ‬وقال‮:‬
شهرين يا عم حماصة‮.‬
‮ ‬فقال بقسوة وهو يفك أصابعه عن رقبتي‮:‬
طلٌّعْ‮ ‬اتنين جنيه‮!‬
خرج حماصة من السجن وعاد لينظم العمالة في السوق‮. ‬يقابل الزبون وحده،‮ ‬ولا يجرؤ نفر علي الاقتراب منه،‮ ‬يسأله عن نوعية الشغلانة ويقدٌِر له عدد الأنفار ونوعياتهم،‮ ‬ويرشح له من بيننا العدد المطلوب،‮ ‬ثم يأخذ دخانه منه،‮ ‬ويستدير إلي المرشحين ليقبض جزءا من أجرة أمس،‮ ‬قبل أن ينطلقوا خلف صاحب الشغلانة بالكواريك والفئوس والمطارق والقصع‮.‬
سبعة أيام عمل فقط من بين ستين يوما من التكالب،‮ ‬انتهت بظهور حماصة،‮ ‬وقبولي عرض الجمالين في نقل البطيخ إلي الصحراء،‮ ‬فيما وقف حماصة في منتصف الكوبري يفرض بصوت عال جنيهين علي كل نفر،‮ ‬معلوما عن شهرين قضاهما في السجن‮.‬
‮***‬
ذهبت إلي سلمي الأحد والأربعاء،‮ ‬لكن الطريقة التي أحضرتني بها من الصحراء ظلت‮ ‬غامضة وساحرة،‮ ‬وظل قبولي العمل بهذه السرعة وبلا مقاومة عصيا علي الفهم‮. ‬كانت الهواجس تعتمل بداخلي ويتعاظم الشك،‮ ‬كلما مر سبت‮ ‬أو أربعاء،‮ ‬في أنها كانت تسعي إلي ضمي إليها ربما منذ زمن،‮ ‬وشككتج‮ ‬في إطراء كامل علي صوتي في ليالي الحنٌّة التي أجامل فيها العرسان،‮ ‬ونصائح عابد التي انقلبت مؤخرا إلي تعنيف حين صار يضرب وِركيْه في جلالة عقب قفلاتي الحراقة ويرمي الناي من يده مستعينا بالناس المنتشية‮: ‬
مبيستغلش صوته ده ليه‮.. ‬في عرض دين النبي حد يقول له حاجة يا جدعان؟
ولم تقف هواجسي عند هذا الحد،‮ ‬بل عاد بي الشك إلي هذا اليوم البعيد،‮ ‬عندما كنت مكلفا عن بجعد بمتابعة خالي عبد الفتاح،‮ ‬فتناهت إلي أذني من خلف باب مغلق أصداء‮ ‬غامضة ومضطربة كأنها تبحث دون جدوي عن لحن يفلت‮. ‬تغافلتج‮ ‬قليلا عن خالي،‮ ‬فقد بدا متعافيا،‮ ‬ومر عليه شهر دون أن تنتابه السقطة،‮ ‬وارتفعتْ‮ ‬معنوياته خاصة بعد أن علم بخبر تعيينه ضمن نسبة الخمسة بالمائة،‮ ‬وعاد حبه لشامية ليتأجج مرة أخري‮. ‬اقتربتج‮ ‬من الباب فبدت الهمهمات كلحن مراوغ‮ ‬يهرب كلما حاولت إيقاعات الدف أو أنات الناي المتوسلة أن تعفقه‮. ‬ابتعد خالي وخمنتج‮ ‬أنه يسير باتجاه منزل حضرة الناظر،‮ ‬وخيل إليٌّ‮ ‬أنه سيوسٌِطه لمفاتحة شامية مرة أخري‮. ‬توصلتج‮ ‬إلي اللحن حين ترنمتج‮ ‬به فتسلسلتْ‮ ‬كلماته‮. ‬دفعتج‮ ‬الباب المغلق وقلتج‮ ‬كأنني أحل لغزا‮:‬
صبٌّح يا جميل‮.‬
بحلقتْ‮ ‬عينا ماسك الدٌجف من الدهشة،‮ ‬وكان كامل،‮ ‬وانفرجت شفتا القابض علي مبسم الناي وكان عابد،‮ ‬وتسلما بداية الخيط،‮ ‬فانضبط الإيقاع وصدح الناي وتعالت الأصوات‮:‬
صبٌّح عالوردة الدبلانة
خلليها تفتٌّح علي عودها
انبثق من الخلف إيقاع صاجات‮. ‬التفتج‮ ‬فوجدتها بوجهها المستدير،‮ ‬تردد مسبلة العينين،‮ ‬وترقٌِص أصابعها في انسجام‮. ‬نظرتج‮ ‬إليها فرفعتْ‮ ‬ساعديها بالصاجات تحثني علي الاستمرار،‮ ‬فبان معصميها نظيفين وجميلين‮. ‬أشرقتْ‮ ‬روحي ولعلع صوتي وغصتج‮ ‬في مشاعر‮ ‬غامضة وكان ذراعاها مضيئين كلمبتي نيون‮. ‬تصاعد الإيقاع فانحسر كماها تماما عن ساعديها،‮ ‬واختلط صليل الصاجات بصليل الذهب،‮ ‬فلم أعرف ما الذي دفعني للمس ذراعيها،‮ ‬فصرختْ‮ ‬وأخذتني في حضنها في فرح‮:‬
هو ده الولد يا كامل‮.. ‬والله العظيم هو اللي طفي اللمبة‮.‬
أومأ كامل برأسه،‮ ‬وقال عابد المداح‮:‬
كل شيء بأوان يا حاجة‮.. ‬ده الواد بن ورد‮.‬
وقع في روعي أنني سهوت عن خالي عبد الفتاح،‮ ‬وأن النوبة أصابته،‮ ‬فقفزتج‮ ‬من بين يديها إلي الشارع صائحا بفزع‮: ‬
يا خال‮.. ‬يا خال‮!‬
كانت النوبة قد فاجأتْه بالفعل فسقط في ترعة الفلفلة،‮ ‬وأخرجتجه من الماء أنا والناظر بين الحياة والموت‮. ‬رغم قِصر المدة التي أمضيتها خلف الباب المغلق،‮ ‬ظل الإحساس بالذنب يداهمني كلما تذكرتج‮ ‬خالي في تلك اللحظة،‮ ‬ولم يقلل منه أنني كلما استعدتج‮ ‬المشهد أنتهي إلي نتيجة واحدة،‮ ‬وهي أن خالي رمي بنفسه في الترعة ولم تفاجئه النوبة،‮ ‬فقد استأذن من الناظر الذي كان يرافقه للتوسط إلي شامية،‮ ‬ثم انتحي جانبا كأنما ليقضي حاجته،‮ ‬وبعد لحظة مرت زفٌّة‮ ‬ذجهل لها الناظر نفسه،‮ ‬ومرتْ‮ ‬ببطءي‮ ‬لم يتحمله خالي الذي كان يحمل في جيبه خطاب تعيينه في ذات المستشفي التي يعالّجج‮ ‬فيها،‮ ‬فترك نفسه للماء،‮ ‬ومنذ زجفٌّتْ‮ ‬شامية إلي أحمد الرز،‮ ‬لم يعد خالي عبد الفتاح البط نهائيا إلي البلدة‮. ‬
غير أن الشك المتعاظم في الطريقة الغامضة التي أحضرتني بها سلمي اقترب من الحقيقة حين سمعتهما بأذنيٌّ‮ ‬هاتين بينما كانا في انتظاري ظهر الأحد يتجادلان،‮ ‬أيهما الذي أقنعني بالحضور‮: ‬كامل أم عابد،‮ ‬فأنهي كامل الجدل في حسم‮:‬
لا انت ولا أنا‮.. ‬الحاجة هي اللي جّبِتجه من العرب‮!‬
راودتني رغبة حقيقية في تجنب الدوران في فلك سلمي،‮ ‬وكبح هذا الانجراف الغامض الذي لم تجد له سلمي تفسيرا سوي أن الأرواح يا سالم‮ .. ‬جنود مجندة،‮ ‬فقد كنت أشعر بخجل حقيقي في البداية من فكرة العمل لديها‮. ‬خجل تعضده نظرات الناس،‮ ‬والسخرية الفجة في كلام الريس شناوي،‮ ‬والمتوارية في وجوه الواقفين علي المزلقان بلا عمل‮. ‬خجل كان يدفعني إلي التخفي أثناء الخروج‮ ‬من عندها كأنما أفعل فعلا مشينا،‮ ‬متمنيا أن تنشق الأرض وتبتلعني،‮ ‬حتي قابلني الحاج عبد الحميد صابر شيخ البلدة‮. ‬تواريت في شارع جانبي حتي يمر،‮ ‬لكنه انتظرني عند التقاء الشارع الجانبي بداير الناحية‮. ‬أخذني بحنان تحت إبطه،‮ ‬ووضع يده في سيالتي،‮ ‬وأخرج الناي وظل ينفخ أثناء سيرنا في داير الناحية،‮ ‬والناس تتلفت حتي ترقرقت عيناه،‮ ‬ثم سلمني الناي وربت كتفي وقبلني من رأسي‮:‬
إمشي مفرود كده زي عمك عبحميد‮. ‬إنت مبتعملش‮ ‬غلط‮..‬
زال الخجل من الدوران في فلك سلمي،‮ ‬وأفدت من المعلومات الجديدة التي تلقيتها عن الإيقاعات من كامل والمقامات من عابد،‮ ‬ورغم أنني لم أعثر علي خصلة رديئة في سلمي أو تصرف‮ ‬غير لائق،‮ ‬إلا أنني لم أعرف لماذا سعيت إلي إنهاء هذه العلاقة‮. ‬ذجهلتْ‮ ‬سلمي‮: ‬
دا احنا ما صدقنا اننا لقيناك‮.. ‬حتسيبنا كده بسرعة؟
أريتجها توصية السفير محمد منتصر،‮ ‬فترقرت الدموع في عينيها وتواري كامل بعيدا ليخبئ دموعه،‮ ‬واعترف عابد وهو يخبط كفا بكف بتحمله وحده المسئولية وأشار إلي صدره‮:‬
أنا اللي فتحت عين الصبي علي السكة دي‮.‬

التاء المظلومة
/شحاتة عزيز جرجس ‮ ‬أسيوط‮ ‬
بيني وبينكم،‮ ‬اعترف بكل صراحة،‮ ‬وشجاعة ان الرواية التي صدرت لي مؤخرا هي رواية هزيلة،‮ ‬ضعيفة المستوي،‮ ‬بالرغم من الضجة الاعلامية التي واكبتها،‮ ‬واشادة النقاد بها،‮ ‬لاعتبارات لا صلة لها بالرواية وانما بكاتب الرواية‮.‬
لكن لم يخل الامر طبعا من بعض النقاد الذين هاجموها،‮ ‬وعلي رأسهم الناقد المعروف الدكتور عطوة،‮ ‬الذي‮ ‬غاص في اعماقها،‮ ‬وكشف حقيقتها،‮ ‬وأزال الزيف الذي‮ ‬غلفها،‮ ‬وأبان تفاهتها،‮ ‬وسفه من أراء الذين اشادوا بها،‮ ‬مقررا ان لا صلة لها بجنس الرواية من قريب أو بعيد،‮ ‬وهل رأيتم يا سادة رواية كل ابطالها متخاصمون لا يكلم بعضهم بعضا؟‮! ‬وماله يادكتور،‮ ‬حتمية الأحداث أوجبت ذلك‮. ‬وعموما سوف اعقد بينهم مصالحة في رواية قادمة بإذن الله‮. ‬وهل رأيتم يا سادة رواية كل أبطالها يرحلون عن الدنيا؟‮! ‬وكل واحد ما ان يبلغ‮ ‬الغلاف الأخير حتي يكون في ذمة الله تعالي؟‮! ‬فلم يبقي سوي المؤلف‮- ‬الذي هو أنا‮- ‬علي قيد الحياة‮!! ‬وماله ياسيدي،‮ ‬والاعمار بيد الله،‮ ‬وكل الناس ستموت،‮ ‬وعموما لن يؤثر رأي الدكتور عطوة وسط جمهرة النقاد الذين اشادوا بها واعتبروها طفرة في عالم الرواية،‮ ‬ومرحلة لم يبلغها لانجيب محفوظ ولايوسف ادريس‮.‬
ولم يكن في تصوري،‮ ‬ولا في مناي،‮ ‬ان يكون الدكتور من بين المشاركين في الندوة التي اعد لها لمناقشة الرواية،‮ ‬وعندما ابديت تحفظي علي ذلك اقنعني مديرو الندوة ان تواجده ضروري لتحقيق التوازن،‮ ‬وربما تضيف مشاركته شهرة لي اكبر مما تحققت،‮ ‬ثم همس لي احدهم مطمئنا‮:‬
‮-‬لا تقلق‮.. ‬سوف نوصيه بان يترفق بك‮.. ‬فرضخت مستسلما خشية ان اظهر بمظهر الضعيف او الخائف،‮ ‬لكنني تمنيت في اعماقي ان يجد في الامر جديد يحول دون مشاركته‮.‬
والدكتور عطوة ليس‮ ‬غريبا عنا،‮ ‬فهو استاذنا العملاق،‮ ‬وكلنا تتملذنا علي يديه في الجامعة،‮ ‬وكان معروفا للجميع بجديته وصرامته وأحيانا شراسته،‮ ‬وانه لايتزحزح عن موقفه مهما كانت الظروف،‮ ‬وطالما ارتفع اصبعه مقتربا من انفه فالأمر قد حسم لا مجال للنقاش فيه‮. ‬وكنا احيانا نعرض عليه محاولاتنا الادبية من شعر وقصة ليبدي الرأي فيها،‮ ‬ومرة لجأت اليه زميلة تعرض عليه قصة قصيرة فنصحها بالاتجاه الي المسرحية‮. ‬ولما عرضت عليه مسرحية نصحها بأن تتجه الي بيع مناديل الورق علي النواصي وفي المقاهي‮.‬
المهم،‮ ‬قضي الأمر،‮ ‬وتقرر مشاركة الرجل،‮ ‬وبدأت الندوة باكتمال ضيوف المنصة،‮ ‬وجمهور الحاضرين،‮ ‬بعد ان قام المشرفون بالتأكد من سلامة مكبرات الصوت ولمبات الاضاءة،‮ ‬والات التصوير،‮ ‬والمشروبات اللازمة لتحية الحضور،‮ ‬لكن مقعد الدكتور عطوة ظل شاغرا لانه لم يصل بعد‮.‬
الجميع‮- ‬وحتي انا‮- ‬ابدوا قلقهم لتأخره،‮ ‬وكنت بين الحين والآخر اسأل بقلق يخفي ارتياحا‮:‬
‮-‬ألم يتصل به أحد لمعرفة السبب؟‮!..‬
لكن لم تظهر اية بادرة توحي بقرب وصوله واخيرا فقدنا الأمل في مشاركته،‮ ‬فبدات الندوة وتتابعت الكلمات ومداخلات الحضور،‮ ‬وسارت الندوة رقيقة سلسة وهادئة،‮ ‬لا تشوبها شائبة،‮ ‬الي ان جاء الدور علي اخر المتحدثين الذي قبض علي الميكرفون وواجه الجمهور قائلا مبتسما‮:‬
‮-‬ان كافة الاشكال الأدبية ك‮...‬
لكن حرف الكاف تصلب وتجمد وانقطعت صلته بما قبله وما بعده وانطلق محلقا في فضاء القاعة حائرا متوسلا طالبا الربط والاكتمال‮. ‬كان الذي فاجأنا وتسبب في وقف الرجل كلمات ثائرة‮ ‬هادرة قادمة من الباب الجانبي للقاعة‮:‬
‮-‬خطأ‮.. ‬خطأ يا استاذ‮..‬
كانت الكلمات الغاضبة للدكتور عطوة الذي دلف من الباب وراح يعدو نحو المنصة وهو مستمر في ثورته‮:‬
‮-‬ياسيدي‮.. ‬كلمة كافة تأتي في مؤخرة الجملة وليس في مقدمتها فنقول‮...‬
لكن احدا لم ينصت الي كلماته الثائرة بل شخصت كل الابصار نحوه متفحصة هيئته التي كانت توحي بانه خارج لتوه من معركة حامية‮. ‬القميص الابيض انفلت من بنطاله وصار بخارجه فكان اطول من سترته ورابطة العنق اصبحت كحبل مفتول بعد ان اتسعت دائرتها فلم تعد تطبق علي العنق،‮ ‬ونظارته السميكة انتقلت من مكانها فوق انفه وصارت من‮ ‬غير زجاج في يده،‮ ‬اما العين اليسري فواضح انها حتما تعرضت للكمة من قبضة قوية فقد احاطت بها هالة داكنة وبقاعها احمرار طغي علي كل معالمها‮. ‬نهايته،‮ ‬الدكتور حتما ولابد قد اكل‮ »‬علقة‮« ‬ساخنة‮. ‬انطلقت التساؤلات نحوه بعد ان استوي علي مقعده،‮ ‬بيد انه لم يعبأ بأي سؤال،‮ ‬بل استمر في ثورته‮:‬
‮-‬في ندوة ادبية كتلك‮ ‬،‮ ‬ينبغي الا ننزلق الي مثل هذه الاخطاء اللغوية‮.‬
لايهم الخطا يادكتور،‮ ‬لكن ما الذي جري؟؟‮! ‬كان السؤال حادا بحيث لم يدع مجالا لأي موضوع اخر‮:‬
‮-‬ما الذي جري يادكتور؟‮!..‬
قال بغير اهتمام‮:‬
‮-‬لاتهتموا‮.. ‬حادث بسيط‮.. ‬ولنعد الي الرواية‮.. ‬فلتذهب الرواية وصاحبها في الف داهية فالمهم ان نعرف ما الذي جري‮. ‬حاصرنا بالسؤال فعاد يردد في ضيق‮:‬
‮-‬حادث تافه‮... ‬لاتهتموا‮..‬
تركنا موضوع الندوة،‮ ‬ومسأله الاخطاء اللغوية وكان اصرار منا علي معرفة الحدث بتفاصيله‮.‬
لم يقدر علي الفكاك فأذعن وصاح وهو يلوح بيده التي تطبق علي النظارة المفرغة من زجاجها‮:‬
‮-‬أنها التاء المربوطة يا سادة‮.. ‬التاء المظلومة‮.. ‬التاء المربوطة؟‮!.. ‬ما علاقتها وهذا الذي جري؟‮!.. ‬قال انه بصدد اعداد بحث اكاديمي عن الاخطاء الشائعة لتصير هاء،‮ ‬طبعا خطأ فادح،‮ ‬يغير من المعني،‮ ‬ولا ينبغي الوقوع فيه‮. ‬اثارت انتباهه لافتة‮ »‬مكتبة الثقافة الحديثة‮« ‬في احد الشوارع حيث انتزعت النقطتان من التاء المربوطة ثلاث مرات‮. ‬هل يرضيكم ذلك؟‮!.. ‬ولافتة مكتبة؟‮!.. ‬لو محل كشري أو فول وطعمية او محل احذية لهان الامر،‮ ‬لكن مكتبة‮!!.. ‬ابدي ضيقة وتبرمه وواجه صاحبها منبها لضرورة تصحيح الخطأ‮.. ‬الحقيقة الرجل تفهم وتجاوب واقتنع‮. ‬بعد اسبوعين عاد اليه ليجد الخطأ مازال باقيا‮. ‬ابدي الضيق والتبرم وهنا صاح به صاحب المكتبة‮:‬
‮-‬وهل اصبحت وصيا علي التاء المربوطة يا استاذ؟‮! ‬وهنا راح الدكتور يشرح له في اسهاب ان التاء المربوطة اصلا مظلومة‮. ‬كل الاحرف تأتي في بدايات الكلمات او اواسطها او نهاياتها‮. ‬إلا التاء المربوطة،‮ ‬محكوم عليها الا تأتي الا في نهايات الكلمات،‮ ‬ناهيك عن انها لامكان لها في الابجدية ونحن نقسو عليها اكثر باغتيال النقطتين فنعريها من‮ ‬غطاء رأس ضروري لها ولازم‮. ‬ثم انهي حديثه بتساؤل يحمل قدرا كبيرا من السخط‮:‬
‮-‬او ترضي بالظلم يا رجل؟‮!..‬
لكن قبل ان يتلقي ردا او تعليقا،‮ ‬اذا بالرجل الجالس الي الخزينة يندفع نحوهما ويهمس في اذن صاحب المكتبة‮:‬
‮-‬هو‮.. ‬هو‮.. ‬لاتدعه يفلت منك،‮ ‬ثم استمر في همسه‮:‬
‮-‬ذاكرتي لاتخدعني‮..‬
ثم اكمل لكن بصوت مسموع‮:‬
‮-‬هو الذي جاء من اسبوعين وطلب فكة لعشرة جنيهات واخذها بطريقته مضروبة في عشرات‮..‬
يا للهول‮!! ‬ماضيه العريق ومكانته تنتهي اخيرا الي لص،‮ ‬ومحترف‮!!.. ‬واجهه والدم يغلي في عروقه‮:‬
‮-‬هل تعرفني ياسيد؟‮!..‬
‮-‬نريد ان نتعرف يا محترم‮..‬
‮-‬انا الدكتور‮..‬
‮-‬دكتور؟‮!..‬
‮-‬اترك يدي وكلمني باحترام‮..‬
‮-‬حقا‮.. ‬امثالك جديرون بالاحترام‮..‬
اقتادوه عنوة الي الداخل‮. ‬التف العمال والرواد حوله مكونين حلقة راحت تضيق شيئا فشيئا‮. ‬لم يتحمل الصدمة‮. ‬تأزم الموقف اكثر عندما اكد بعض الفتية انهم طلاب في الكلية التي ذكرها وانهم لايعرفونه‮. ‬ابي علي نفسه ان يكون في مثل هذا الموقف‮. ‬لعنهم بالفصحي فانفلتت ضحكاتهم الساخرة‮. ‬سبه صبي فرفع يده بقوة وهوي علي وجهه‮. ‬اعلنت الحرب‮. ‬بدأت الايدي تتنافس للوصول اليه وطرحوه ارضا‮. ‬امسكه واحد ودفعه بلكمة قوية فتلقفه اخر‮. ‬تكرر الفعل عدة مرات دون ادني رد فعل‮. ‬جاهد للوقوف فنهض لكن بانحناءة‮. ‬اصبحت راسه في مستوي احد الارفف ولافتة كتب عليها‮» ‬كتب جديدة‮ «‬والتاء المربوطة بدون النقطتين‮. ‬بدت كامرأة حسناء لكن من‮ ‬غير شعر‮. ‬تألم كثيرا‮. ‬اختفت آلام جسده تماما حل محلها الم نفسي اشد واعمق‮. ‬غمغم في نفسه‮.‬
‮-‬حقا‮.. ‬ان اللغة الي ضياع‮..‬
عند هذا الحد لم تكن هناك اية فرصة للعودة الي مناقشة الرواية موضوع الندوة‮. ‬اظهر الجميع مشاعر التعاطف والالم مما جري‮. ‬وكنت انا ممن اظهروا هذه المشاعر بل وزايدت عليها وقلت صائحا في‮ ‬غضب مصطنع‮:‬
‮- ‬لابد من اجراء نحوهم‮. ‬يجب الا نتركهم‮.. ‬لكنني كنت احس في داخلي بارتياح،‮ ‬وسعادة‮ ‬غامرة‮.‬

ما لله‮ ‬ وما لقيصر
قيس مصطفي‮ ‬
ستجيئين مثل أيٌِ‮ ‬شيء يأتي
ولن يستطيع أحد إيقاف قدومكِ
ستجيئين حين يصير قلبي
سوبر ماركت مقفلة
لبيع المشاعر‮.‬
ستجيئين وهذا سيكفي
لوضع كثير من الملح

علي جراحي‮.‬
جسدكِ‮ ‬العجينيٌ
رغيفج‮ ‬مستقبلي

جسدك يتطلٌّب ثورة
ستجيئين
وستعرفين أنك خسرت كثيراّ
كل تلك الأشياء
التي أظن أنك كنت ستربحينها
ستجيئين
وسأعرف أني ربحت كثيرا
كل تلك الأشياء
التي لم يعد لها قيمة
كنت تكرهين شقائق النعمان
وهذا يجعلك،‮ ‬أول امرأة تكره شقائق النعمان
ما يعني أنك ضد مجري النهر
الأمر الذي يجعلني أعتبر
أنه وحتي هذه اللحظة
حتي أن اللحظة الصامتة
تعرف
أن الأسماك الميتة وحدها
تجري مع النهر
حتي أن اللحظة الصامتة
تعرف أنك آخر امرأة أحببتها
‮(..‬البارحة هاجم النعاس قلبي،‮ ‬وهاجم عينيٌّ‮. ‬كان الشراب يدور،‮ ‬والسخريات كانت تدوٌِي‮. ‬لم يبق شيء لأقوله ذلك أن الضب الذي قطعت ذيله استعاده،‮ ‬وما خبأت من شياطين في قماقم،‮ ‬خرجوا جميعا،‮ ‬والثعالب من أوكارها في عواء‮.‬
قلبي جناح ذبابةي،‮ ‬لو استطعت لمددت يدي في داخلي كمبضع وكسرته‮..)‬

ليس صحيحا‮ ‬أن‮ ‬غيابك له حكمة
لا حكمة في الغياب
فكيف يكون لغائب حكمة
ليس ثمة حاجة
لأكثر من أن تتركي
كل شيء وتأتي
أعرف أنه
وعندما ينقلب العالم إلي ظلام
وتذهب الأرواح إلي مزيد من العدم

ستعودين مضيئة
غيابك له صمم الجدار
الذي مثل أي شيءي
صامت

عندما كنت هنا
كنت قادرا‮ ‬علي النفخ في شراع قارب
دافعا‮ ‬به من البحر إلي النهر
بدونك
لست قادرا‮ ‬علي أن أنفخ بشمعة
‮..(‬أبيض يسقط علي رأسي،‮ ‬كما لو علي بلاط أسود،‮ ‬ثمٌّ‮ ‬يرتدٌج،‮ ‬إنه العمي،‮ ‬فيزيولوجيا مؤقتة لشاعر يفكر بقصيدة‮..‬
هي الريح تهب عمودية من السماء،‮ ‬وتلك آخر العصافير الكسولة،‮ ‬وأول الصحو‮.‬
شرقية مقبرتنا قرب النهر الأعوج،‮ ‬ومذ قام النصب الناصع فيها علي التراب الأحمر،‮ ‬صار النهر شرقيا،‮ ‬وصار النٌجصب جهة‮ ‬أخري،‮ ‬ولا أضواء في دمشق،‮ ‬لا عابرين‮. ‬ثمة حزن في آخر الطريق،‮ ‬آت لأشرب الصمت علي باب بيتك،‮ ‬أشرب وأقول‮: ‬آخ‮..)‬
أنا الذي رسمتك
وجلست أرقب‮ ‬غرابتك
أجهل من سيمحوني
لو تعودين
أشعل الماء‮ ‬
وأذوب

لو تعودين
فقط لو تعودين
أنا الذي لا أملك
الذي قادم من شوارع تتوسخ فيها حتي الرٌجكب
أقدام العابرين
الذي له حزن معلق بعينيه
الذي صامت
فقط لو تعودين
سأعطي ما لله لك
وأعطي لك ما لقيصر

ثم إن عدت تصيرين شجرة
فهذا أفضل ما تكونينه
لإنصاف
كل ذاك الطول
تقفين مفتوحة اليدين
ومنفرجة الساقين
أعلق عليك الزينة والأجراس
في الساحات العامة
ومرة،
يبني الغراب عشه في عينيك
ويلتقطني مثل أي شيء يلمع‮..‬
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: