دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -795ه - العدد1429شوالمن5- م2008أكتوبر من5 الأحد
بتوقيت القاهرة 12:03:24 PM الساعة - 10/6/2006 آخر تحديث يوم
      البستان
بستان الكتب
يبالغ‮ ‬البعض في اعتبار جهاز القارئ الإلكتروني المعتمد علي الحبر الإلكتروني بمثابة الثورة الأكثر أهمية منذ اختراع مطبعة جوتنبرج،‮ ‬ويتحفظ آخرون علي تلك المبالغة مؤكدين أنها خطوة كبيرة للأمام،‮ ‬وإن كانت ستتكامل مع الكتاب الورقي من دون أن تقضي عليه أو تزيحه عن عرشه‮.‬
إلا أن الطرفين يتفقان علي أن هذا الجهاز يمثل نقلة حقيقية في عالم القراءة‮.‬
كيف لا وقد نجحت الأجيال ا‮ ‬لحديثة من ال‮ ‬e-book‮ ‬reader‭ ‬في تلافي الكثير من العيوب السابقة؟ فهو أولا يقترب أكثر من شكل الكتاب الورقي وحجمه،‮ ‬كما أن شاشته‮ ‬غير مرهقة للعين مثل شاشة الكمبيوتر،‮ ‬ويمكنه أن يحمل عددا هائلا من الكتب الإلكترونية الأمر الذي يجعله وسيلة مثالية لمحبي القراءة ممن يسافرون كثيرا‮.‬
لسنا هنا في مجال المقارنة بين الكتاب الإلكتروني والكتاب التقليدي الذي نجح علي مدي قرون طويلة في ترسيخ مكانته لدي القراء،‮ ‬فما يهمنا بالأساس هو تقديم تلك التقنية الحديثة إلي القارئ العربي،علي الرغم من أن الروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري‮ ‬يشبٌه‮ -‬في مقاله المهم المنشور ضمن بستان الكتب لهذا العدد‮- ‬الحديث عن جهاز القارئ الإلكتروني في عالمنا العربي بال"نكتة في مقبرة‮"‬،‮ ‬وقد يكون محقا‮ ‬في ذلك بالنظر لإرتفاع نسبة الأمية لدينا،‮ ‬وعدم الإكتراث بعادة القراءة بين معظم المتعلمين،‮ ‬لكن أليس العلم بالشيء‮ ‬أفضل من الجهل به؟


منصورة عز الدين


كل الأدلة تشير إلي أن الرقمنة‮ ‬ستنافس الكتاب الورقي بشكل جاد خلال السنوات المقبلة‮:‬
نهاية عصر المطبعة
‮ ‬يقف عالم النشر الآن،‮ ‬علي أعتاب واحدة من أكثر الابتكارات تأثيرا‮ ‬منذ مطبعة جوتنبرج: فمع بزوغ‮ ‬نجم الكتاب الإلكتروني،‮ ‬الأرخص والأكثر قابلية للنقل،‮ ‬يثور التساؤل عن مستقبل الكتاب المطبوع‮. ‬ثمة تقليد فريد تحرص عليه جائزة البوكر سنويا،‮ ‬يجد فيه الكجتاب الستة المرشحون بالقائمة القصيرة للجائزة بالقرن الحادي‮ ‬والعشرين أنفسهم وجها‮ ‬لوجه مع فن وحِرفّة صناعة الكتاب كما عرفها كاكستون وتشوسر الآباء الأوائل لهذه الحرفة في‮ ‬بريطانيا بالقرن الخامس عشر‮. ‬فقبل إعلان اسم الفائز،‮ ‬يجهدي كل كاتب نسخة فاخرة التجليد مجعدة‮ ‬يدويا‮ ‬من روايته المجرشحة،‮ ‬تأكيدا‮ ‬علي جلال وحيوية هذا التقليد‮. ‬لكن هذا الحفل قد‮ ‬يبدو في‮ ‬السنوات القليلة القادمة في‮ ‬طرافة الحفل ذي‮ ‬الطابع الديني‮ ‬الذي‮ ‬تجقدم فيه الملكة نقودا‮ ‬للفقراء في‮ ‬خميس العهد: فكل العلامات تشير إلي أنٌ‮ ‬الكتب بشكلها الحالي‮ ‬قد تلقي المصير نفسه الذي‮ ‬لاقته المخطوطات من قبل‮. ‬
‮ ‬هذه هي‮ ‬المفارقة: فنادرا‮ ‬ما شهدت بريطانيا هذه الطفرة القوية في‮ ‬صناعة الكتاب بشكله التقليدي‮. ‬ففي‮ ‬عام‮ ‬1990،‮ ‬نجشر هنا‮ ‬65‭,‬000‮ ‬عنوان جديد،‮ ‬ارتفع هذا الرقم بدرجة مذهلة إلي‮ ‬161‭,‬000‮ ‬عنوان جديد العام الماضي،‮ ‬متغلبة‮ ‬بشكل نسبي‮ ‬علي كل من فرنسا وألمانيا وحتي الولايات المتحدة‮. ‬وإذا نحينا الأرقام جانبا،‮ ‬فإن مناخ بريطانيا الأدبي‮ ‬استوائي‮ ‬في‮ ‬درجة إثارته وإليزابيثي‮ ‬في‮ ‬غزارته: فمهرجانات الكتاب من فولكستون إلي أدنبرة تجيش بالزوار،‮ ‬وقد صارت نوادي‮ ‬الكتاب ومجموعات القراءة لعبة الحظ أو المقامرة الغالبة في‮ ‬وسط انجلترا مع تواصل بث أنباء جوائز الكتاب المختلفة دون انقطاع‮. ‬ناهيك عن البرامج الإذاعية‮: ‬من ساوث بانك شو إلي ريتشارد آند جودي‮ ‬مرورا‮ ‬بكتاب وقت النوم،‮ ‬و هي‮ ‬كلها تغطي‮ ‬أنواع الكتب كافة أيا‮ ‬كانت‮. ‬
لكن،‮ ‬إذا كنت تنوي‮ ‬بناءا‮ ‬علي تلك الأدلة،‮ ‬أنٌ‮ ‬تدعو اللحظة الراهنة عصرا‮ ‬ذهبيا‮ ‬للنشر: فعليك التوجه أولا‮ ‬لدور النشر‮. ‬فبالنسبة لهم تجمثل ثورة تكنولوجيا المعلومات عملة ذات وجهين،‮ ‬فمن ناحية ألهمت السوق رواجا‮ ‬هائلا،‮ ‬لكنها تهدد في‮ ‬الوقت ذاته بقلب عالم الكتاب رأسا‮ ‬علي عقب‮. ‬وهي‮ ‬المخاوف التي‮ ‬عبر عنها ريتشارد شاركين رئيس اتحاد الناشرين لصحيفة الأوبزرفر بقوله‮: " ‬أقضي‮ ‬أربعة أخماس وقتي‮ ‬يأكلني‮ ‬القلق بسبب هذه التقنية‮". ‬فشاركين‮ ‬يعتقد أنٌ‮ ‬نشر الكتاب في‮ ‬المستقبل القريب،‮ ‬سيكون عملية مجهولة الملامح‮. ‬
قد‮ ‬يكون المستقبل هنا الآن فعلا‮. ‬فقد‮ ‬غزت الرقائق الإلكترونية صناعة الموسيقي عبر برامج ال‮ ‬iTunes‮ ‬و الأفلام والتليفزيون بمشغلات أقراص الفيديو الرقمية‮. ‬يجعلق بول كار،‮ ‬رئيس تحرير الفرايداي‮ ‬بروجكت،‮ ‬وهي‮ ‬دار نشر من الويب إلي المطبعة أو النشر عن بجعد‮:" ‬إنها مسألة وقت فحسب‮". ‬ويتابع‮: "‬قبل أنٌ‮ ‬يغزو هذا الأداء الوظيفي‮ ‬آنف الذكر عالم صناعة الكتاب‮. ‬ففي‮ ‬اللحظة التي‮ ‬يخترع فيها شخص ما قارئا‮ ‬إلكترونيا‮ ‬محمولا‮ ‬يجشبه الورق ويسمح بتحميل الكتب،‮ ‬ستتحقق ثورة الكتاب الالكتروني‮". ‬
الزمن الرقمي
متي‮ ‬يأتي‮ ‬هذا الاختراع،‮ ‬و من أين؟ هذا‮ ‬هو ما‮ ‬يحاول تخمينه كثيرون،‮ ‬لكن شركات مثل سوني‮ ‬وفيليبس تسعي جاهدة لتحقيق هذا الاختراق الكبير‮. ‬يشير كار إلي أنٌ‮ "‬الزمن الرقمي‮" ‬أسرع من نظيره المجعتاد،‮ ‬فمن المرجح أنٌ‮ ‬الصناعة قد شهدت في‮ ‬السنوات الخمسين الأخيرة ما‮ ‬يعادل ألف سنة من التغيرات التقنية‮. ‬هذا الانقلاب،‮ ‬بدأ فعلا‮. ‬فالطريقة التي‮ ‬كنٌا نتلقي عبرها الكلمة المكتوبة منذ مطبعة جوتنبرج قد بدأ‮ ‬يعتريها التغير،‮ ‬فالنصوص صارت إلكترونية علي أصعدة عدة‮: ‬البريد الإلكتروني،‮ ‬مواقع الويب،‮ ‬المدونات،‮ ‬أقراص الليزر،‮ ‬والرسائل النصيٌة‮. ‬
في‮ ‬الهند،‮ ‬أطلقت شركة ماكميلان مشروعا‮ ‬مع مجشّغٌِل الهواتف الهوائي‮ ‬Airtel‮ ‬يجتيح للمشتركين تحميل تعريفات كلمات إنجليزية علي هواتفهم الخلويٌة لقاء كسور زهيدة من الروبية لكل كلمة‮. ‬كم‮ ‬يلزم من الوقت حتي‮ ‬يجعزز المدراء التنفيذيون مشروعا‮ ‬مماثلا‮ ‬لمستخدمي‮ ‬الهاتف الجوال في‮ ‬بريطانيا؟‮ ‬
ثمة إجماع بين كل خبراء تكنولوجيا المعلومات في‮ ‬العالم علي أنٌ‮ ‬الكتاب التقليدي‮ ‬يواجه تحديا‮ ‬ثوريا‮ ‬من الكتاب والورق الإلكتروني‮. ‬وحسب كار فإنٌه‮: "‬في‮ ‬غضون السنوات الخمس أو العشر المجقبلة،‮ ‬أو ربما في‮ ‬وقت أقرب بكثير،‮ ‬سنشهد جهازا‮ ‬مقبولا‮ ‬للورق الالكتروني‮ ‬المحمول خفيف الوزن‮ ‬يجتيح لعشاق الكجتب تحميل عناوينهم المجفضلة مباشرة من الإنترنت،‮ ‬سواء بصورة مشروعة أو‮ ‬غير مشروعة‮". ‬ويوافقه ديك براسٌ‮ ‬نائب رئيس متقاعد بشركة مايكروسوفت وصاحب خبرة واسعة بأجهزة القارئ الالكتروني‮: "‬بمرور الوقت تصير أجهزة ال‮ ‬Tablet‮ ‬أخف وأقل تكلفة‮. ‬وفي‮ ‬نهاية المطاف،‮ ‬أراهن علي أنٌه قبل عام‮ ‬2020،‮ ‬سيصبح شبيها‮ ‬بأجهزة ال‮ ‬iPod‮ ‬في‮ ‬الموسيقي،‮ ‬وسيوفر خبرة شبيهة بالورق بدرجة تكفي‮ ‬لتغيير نموذج التوزيع الرقمي‮. ‬أنٌها بداية النهاية لعصر الكتاب الورقي‮". ‬
لقد بدت هذه التنبؤات وشيكة مؤخرا‮ ‬في‮ ‬لاس فيجاس،‮ ‬حين أطلقت شركة سوني‮ ‬قارئا‮ ‬إلكترونيا‮ ‬جديدا‮ ‬في‮ ‬الأسواق‮ ‬يتراوح سعره بين ثلاثمائة وخمسمائة دولار‮ . ‬وكانت تجربة الجيل الأخير من هذه النوعية من الأجهزة‮ (‬صدرت عام‮ ‬2000‮) ‬قد دفعت للتفكير بأنٌه من السابق لأوانه الاحتفال،‮ ‬ويرجع سبب هذا الفشل لكونها لم تحاك تجربة القراءة المعتادة للكتاب‮. ‬مع ذلك،‮ ‬يجقال عن قارئ سوني‮ ‬الجديد‮ ‬Librie‮ (‬الجيل الأول من قارئ الكتاب الالكتروني‮) ‬أنٌه‮: ‬كل شيء كما‮ ‬يجب أنٌ‮ ‬يكون‮. ‬
لكن ما هي‮ ‬طبيعة هذا الشيء الذي‮ ‬سيحل محل الكتاب؟ في‮ ‬سوق تنافسية شديدة العصبيٌة،‮ ‬ثمة الكثير من الإشاعات والمعلومات المغلوطة‮. ‬يقول براسٌ‮ ‬أنٌ‮ ‬إحدي المشكلات‮ ‬غياب نموذج للعمل،‮ ‬مثل‮ ‬iTunes‮ ‬الذي‮ ‬أنتجته شركة آبل،‮ ‬كي‮ ‬يصبح قدوة لهذه الصناعة،‮ ‬ويتابع‮: " ‬لا زلنا في‮ ‬حاجة لأجهزة عالية الجودة ومنخفضة التكلفة،‮ ‬تتيح للمستخدم تجربة شديدة الشبه لقراءة الكتاب الورقي‮". ‬ويكاد‮ ‬يكون من المؤكد،‮ ‬أنٌ‮ ‬أي‮ ‬جهاز قارئ الكتروني‮ ‬سيستخدم حبرا‮ ‬الكترونيا،‮ ‬وهي‮ ‬تقنية عرض تجشكٌل النص عبر ترتيب الكتروني‮ ‬لآلاف الكبسولات الصغيرة الأسود وأبيض،‮ ‬سيحقق تجربة مماثلة لقراءة صفحة مطبوعة‮. ‬
حين‮ ‬يتحقق ذلك،‮ ‬ستستوعب أجهزة القارئ الالكتروني‮ ‬مئات أو آلاف العناوين وتدعم تقنية إدارة الحقوق الرقمية التي‮ ‬تمكن دور النشر من تنظيم الطريقة التي‮ ‬تجستخدم بها حقوقهم في‮ ‬النشر‮. ‬لن‮ ‬يرغبوا،‮ ‬مثلا،‮ ‬أنٌ‮ ‬تكون تلك الأجهزة قادرة علي إرسال كتب لأجهزة صديقة،‮ ‬وربما من أجل الاحتفاظ بميزة تجارية،‮ ‬سيرغبون أيضا‮ ‬في‮ ‬الإذن بالدخول لعنوان ما لفترة محدودة قبل أنٌ‮ ‬يلزم إعادة الشراء‮. ‬سيوفر قارئ الكتاب الالكتروني‮ ‬ميزة البحث في‮ ‬محتويات الكتاب بلمسة زر،‮ ‬يقول كار‮: "‬تخيٌلوا،‮ ‬طالب‮ ‬يحوز خمسين مرجعا‮ ‬قانونيا‮ ‬مجخزنا‮ ‬علي جهازه،‮ ‬سيمتلك القدرة علي رؤية مرجع القضية في‮ ‬كتاب،‮ ‬وبنقرة واحدة‮ ‬يجد النص الكامل للقضية في‮ ‬كتاب آخر‮". ‬
لدي‮ ‬يعقوب ويسبرج،‮ ‬محرر المجلة الالكترونية الأمريكية‮ ‬Slate،‮ ‬رؤية مماثلة‮. ‬فقد قال لصحيفة الأوبزرفر أنٌ‮ ‬السوق في‮ ‬حاجة إلي‮: " ‬جهاز قراءة في‮ ‬حجم الكتاب ذو الغلاف العادي‮ ‬مع شاشة جيدة وبطاريات طويلة العمر،‮ ‬يتيح عملية تحميل كتب وصحف ومجلات‮". ‬وأضاف‮: "‬ينبغي‮ ‬أيضا‮ ‬أنٌ‮ ‬تكون بوصلة لاسلكيٌة بالويب وبرامج حاسوبية تسمح بالاستماع لنسخة صوتية والتحرك بسهولة جيئة وذهابا‮ ‬بالقراءة،‮ ‬كما هو الحال مع أجهزة آيبود،‮ ‬أغلب التقنية القادرة علي فعل ذلك موجودة فعلا‮ ‬في‮ ‬انتظار شخص ما‮ ‬يقوم بتسويقها بذكاء‮". ‬ويجسلٌِم ويسبرج،‮ ‬جامع الكتب مشبوب العاطفة الذي‮ ‬يبهجه اصطياد الطبعات الأولي الحديثة بمكتبات الكتب المستعملة،‮ ‬بأنٌ‮ ‬الكتاب شيء جميل ويعتقد أنٌ‮ ‬الكتب ذات التجليد الفاخر ستصبح أكثر شبها‮ ‬بالمخطوطات المزخرفة بعد جوتنبرج‮: "‬ستحتفظ منها في‮ ‬بيتك التي‮ ‬تجدها جذابة فحسب،أو التي‮ ‬تملك حيالها رابطة وجدانية‮. ‬في‮ ‬نهاية المطاف،‮ ‬سيصير امتلاك الكتب المطبوعة مرادفا‮ ‬لجمعها‮". ‬
صيغ‮ ‬قابلة للتحميل
غير أنٌ‮ ‬أصحاب الموقف الثقافي‮ ‬المحافظ‮ ‬لهم وجهة نظر مجغايرة: فقد كتب جون آبدايك‮: "‬ينبني‮ ‬مفهومنا للكتاب علي شيء مادي،‮ ‬نفيس حتي لو لم‮ ‬يعد‮ ‬يجنسخ علي جلد الغنم بواسطة رهبان حصروا حياتهم بالكتب‮... ‬توحي‮ ‬طاقة هذه الكتب بما نطيقه،‮ ‬حكايتنا الداخلية ليست مكتوبة علي ماء الحبر الالكتروني‮". ‬بدرجة أقل ضبابية،‮ ‬ثمة بساطة رائعة لتوصيف الكتاب،‮ ‬تجعل منه الأداة الأكثر كفاءة للتواصل العشوائي‮ ‬معها،‮ ‬وهي‮ ‬وجهة النظر التي‮ ‬عبر عنها الكاتب نيكلسون بيكر،‮ ‬الذي‮ ‬كتب عام‮ ‬1995‮: "‬الكتاب أداة رائعة في‮ ‬إمكانية التصفح،‮ ‬لا تحتاج للكهرباء،‮ ‬وجاهزة للقراءة دائما‮ ‬مهما جري‮". ‬
ربما تلعب الضرورة دور القابلة لهذا الابتكار‮ . ‬فمن المحتمل أنٌ‮ ‬تسرٌِع الضغوط البيئية الاختراق‮. ‬فكما‮ ‬يقول براسٌ‮: "‬لن نستطيع أنٌ‮ ‬نساند طويلا‮ ‬تجارة الأشجار التي‮ ‬فارقت الحياة التي‮ ‬تمثل الأساس في‮ ‬الصحف الورقية الكبري،‮ ‬والمجلات،‮ ‬والبريد المباشر والكتب‮ ‬_‮ ‬خاصة مع تنامي‮ ‬اقتصاديات الصين والهند الهائل‮". ‬
في‮ ‬الدول الصناعية الغربية الآن،‮ ‬ترسل ثورة تكنولوجيا المعلومات بموجات صادمة عبر عالم الكجتب‮. ‬مؤخرا،‮ ‬هدد اعتزام جوجل رقمنة خمس مكتبات هي‮ ‬الأكبر في‮ ‬حقوق والنشر‮ (‬أكسفورد،‮ ‬وستانفورد،‮ ‬وميتشجان،‮ ‬ومكتبة نيويورك العامة‮) ‬صميم هذا العمل‮: ‬حق النشر‮. ‬
ليس من المستغرب أنٌ‮ ‬نجد واحدا‮ ‬من أكثر منتقدي‮ ‬جوجل صراحة،‮ ‬هو نايجل نيوتن،‮ ‬رئيس بلومسبري،‮ ‬يطلق تلميحا‮ ‬خجولا‮ ‬حول‮ "‬إعلان بالغ‮ ‬الضخامة‮" ‬خلال عام‮ ‬2006،‮ ‬فنيوتن علي‮ ‬يقين أنٌه‮: "‬في‮ ‬غضون من سبع إلي عشر سنوات،‮ ‬سيتحول خمسون بالمائة من مبيعات الكتب إلي صيغ‮ ‬قابلة للتحميل،‮ ‬ولحظة أنٌ‮ ‬يبرز جهاز القارئ الالكتروني‮ ‬كمادة في‮ ‬السوق العالمية،‮ ‬سيصير التحول سريعا،‮ ‬وقريبا‮ ‬ما سيصبح السوق مزدوجا‮". ‬
تبدو هذه النبوءة معقولة أكثر: فلن تحل الكتب الالكترونية محل الشكل القديم للكتاب أبدا‮ ‬بدرجة أكبر مما حلٌت السيارات محل الدراجات أو الآلات الكاتبة محل القلم‮. ‬
في‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬صارت الرقمنّة كلمة طنانة‮. ‬وبحسب تعبير ريتشارد شاركين،‮ "‬رقمن أو مجت‮"‬،‮ ‬فهو مؤيد متحمس للفرص التي‮ ‬تقدمها التقنية الجديدة،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يظن أن‮: "‬البشر في‮ ‬طريقهم لقراءة روايات علي الشاشة بطريقة جادة‮. ‬الكتب‮ ‬غير الرٌوائية نوعية أخري‮". ‬يكمن تطور الكتاب الالكتروني‮ ‬في‮ ‬التقسيمات المرجعية التقنية للكتاب‮. ‬هنا،‮ ‬حسبما‮ ‬يقول،‮ ‬صدي لملاحظة واسعة النطاق مفادها أنٌ‮: ‬أياٌ‮ ‬من دور النشر الكبري العامة في‮ ‬المملكة المتحدة‮ (‬راندوم هاوس،‮ ‬هاربر كولينز،‮ ‬بنجوين‮) ‬قد تبنت فعلا‮ ‬التقنية الجديدة‮". ‬
‮ ‬عند هذه النقطة،‮ ‬تتحول دفة النقاش من إمكانية الكتاب الالكتروني‮ ‬في‮ ‬غضون عقد من الزمن إلي دور ثورة تكنولوجيا المعلومات في‮ ‬تجارة الكتب الحالية‮. ‬بالنسبة لشاركين،‮ ‬يكمن بقاء الكتاب المطبوع في‮"‬الطباعة عند الطلب‮" ‬والتي‮ ‬تتيح فيها الطابعات المجهزة بالمكتبات ومحطات الخدمة للقراء،‮ ‬الدخول علي قائمة كتب الناشر وطباعة نسخة كاملة من الكتاب في‮ ‬وقت وجيز‮ . ‬
يقول شاركين‮: "‬ما زالت التقنية خارج المتناول لحد الآن‮... ‬لكن في‮ ‬غضون عشر سنوات،‮ ‬من‮ ‬يدري؟‮". ‬طبقا‮ ‬لهذه الرؤية،‮ ‬تحتفظ دور النشر بالحقوق وترقمن إصداراتها السابقة مستفيدة بما تدره هذه التجارة من دخل،‮ ‬وستفتقر الكتب المطبوعة بالطلب علي الشكل الجمالي‮ ‬الذي‮ ‬تتمتع به الكتب التقليدية ذات التجليد الفاخر،‮ ‬لكن في‮ ‬اقتصاد المعرفة للقرن الواحد والعشرين،‮ ‬ربما لن‮ ‬يكون لهذا الأمر أهمية تذكر‮ . ‬
هذا التفكير لن‮ ‬يجفقد الكلمة المكتوبة مكانها الثابت في‮ ‬الصفحة،‮ ‬لتظل الكلمة سواء كانت مكتوبة أو منطوقة في‮ ‬منزلة القلب من حضارتنا‮. ‬ثمة أسباب قوية للرغبة في‮ ‬تعزيز الكلمة المكتوبة أكثر انسجاما‮ ‬مع تكنولوجيا المعلومات الحالية،‮ ‬لكن وحتي‮ ‬ينجح خبراء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومايكروسوفت وجوجل وأمازون والبقية في‮ ‬إنجاز ما‮ ‬يشبه ويمنح شعور ويسلك سلوك الكتاب،‮ ‬سنظل نقرأ ونتمتع بالكتب كما فعل كاكستون‮ ‬وجوتنبرج‮.‬


مجدي عبد المجيد خاطر
عن الأوبزرفر


الغرب والعرب بعد الترقيم‮: ‬
أرنب مججّنٌّح‮ ‬وسلحفاة عرجاء‮!‬
هل يمكن أن يسهم جهاز القارئ الإلكتروني‮ -‬ebook reader" e‮ " ‬مستقبلا في اختفاء الكتاب بشكله التقليدي،‮ ‬وإحداث ثورة في طرق القراءة أم لا؟‮ ‬كان هذا هو السؤال الذي توجهنا به للروائي اليمني‮ ‬والمشرف علي إدارة تدريس الكمبيوتر في قسم هندسة الرياضيات التطبيقية والكمبيوتر في المعهد القومي للعلوم التطبيقية في جامعة روان بفرنسا حبيب عبد الرب سروري‮.‬
وفيما يلي نقدم إجابته علي تساؤلنا ورؤيته لمسألة الرقمنة وتجلياتها علي عالم الكتاب‮.‬
جهاز‮ »‬القارئ الالكتروني‮« ‬الجديد سيهبط علي عالمنا العربي مثل‮ »‬نجكتة في مقبرة‮«!...‬

قبل الرد علي أسئلة‮ »‬أخبار الأدب‮« ‬يلزم الإجابة علي هذه الأسئلة التمهيدية‮:‬
‮١- ‬ما هو التعريف الدقيق للكتاب الرقمي؟
‮٢- ‬ثمٌة مفارقة‮: ‬رغم دخول الموسيقي والفيديو عالمّ‮ ‬الترقيمِ‮ ‬مؤخرا‮ (‬بعد الكتاب المطبوع الذي وجلِدّ‮ ‬بعد اكتشاف جوتنبرج للمطبعة في القرن الخامس عشر‮) ‬فقد أطاحت الموسيقي والفيديو الرقميٌان بالموسيقي والفيديو التقليديين وأحدثتا ثورة شاملة في طرائق الاستماع الصوتي والمنظور‮. ‬إذن لماذا تأخر الكتاب‮ (‬الذي عّرفتْ‮ ‬بعضج‮ ‬مراحلِ‮ ‬إخراجِه الترقيمّ‮ ‬قبل الموسيقي والفيديو‮) ‬عن مجاراة هذه الظاهرة،‮ ‬ولماذا لم يكتسح الكتابج‮ ‬الرقميٌج‮ ‬عالمّ‮ ‬الكتاب ويخلع الكتابّ‮ ‬الورقيٌ‮ ‬عن عرشِهِ‮ ‬مثلهما؟
‮٣- ‬ما هي العوائق التي منعت الكتاب الرقميٌ‮ (‬قبل وصول جهاز القارئ الالكتروني‮: ‬ebook reader‮) ‬من التقدٌم علي الكتاب الورقيٌ؟ وما هي،‮ ‬رغم هذه العيوب،‮ ‬المجالات التي دحر فيها الكتابج‮ ‬الرقمي الكتابّ‮ ‬التقليدي واستولي علي قجرٌّائِه؟
‮٤- ‬ما هي مميزات جهاز القارئ الالكتروني؟
‮٥- ‬ما هي نتائج مشاريع الترقيم العملاقة الدولية‮ (‬التي بدأت أهمٌها في‮ ‬2004‮) ‬وما هي تطوٌرات علاقة الإنسان الحديث بالكمبيوتر‮ (‬لاسيما في الغرب‮) ‬التي تسمحج‮ ‬اليوم بالحديث عن إطلالةِ‮ ‬عصري‮ ‬جديدي‮ ‬للكتاب،‮ ‬يكون فاتحتّه نزولج‮ ‬جهازِ‮ ‬القارئ الالكتروني إلي السوق؟
‮٦- ‬ما الذي سيفرضه هذا الجهاز الجديد من تغييرات قانونية واقتصادية بنيوية في صناعة الكتاب وأساليب وعادات قراءته؟ ما هي أنواع ونماذج العروض الموجودة حاليا‮ ‬لاقتناء الكتاب الرقمي وقراءته علي الشاشات التقليدية أو علي جهاز القارئ الالكتروني؟ ما هي اتجاهات وآفاق هذه العروض؟‮...‬

سأبدأ بالسؤال الأول‮. ‬إذا كان تعريف الكتاب الورقي سهلا‮ ‬نسبيا‮ (»‬هو نصٌ‮ ‬مكتوب علي عدد لا بأس به من الأوراق،‮ ‬لكاتب أو أكثر،‮ ‬يهدف لتقديم مادةي‮ ‬تعليمية أو أدبيٌة أو‮ ‬غيرها‮...«) ‬فتعريف الكتاب الرقمي أوسعج‮ ‬بكثير‮: ‬هو نصٌ،‮ ‬مثل الكتاب المطبوع،‮ ‬يصلج‮ ‬من شبكة الكمبيوترات‮ (‬تتكون من كمبيوتر واحدي‮ ‬علي الأقل،‮ ‬أو تضمٌ‮ ‬كلٌّ‮ ‬كمبيوترات الكون إذا لزم الأمر‮) ‬ويجقرأج‮ ‬علي شاشة‮. ‬غير أن له خصوصيات عدٌة،‮ ‬شديدة الأهمية والثراء،‮ ‬لا توجد في الكتاب الورقيٌ،‮ ‬سأسرد أبرزها الآن‮:‬
أ‮) ‬هو نصٌ‮ ‬مفتوح‮ (‬وليس مغلقا‮ ‬مثل الكتاب الورقيٌ‮ ‬الذي يبدأ بالصفحة الأولي وينتهي بالأخيرة‮) ‬بفضل التوصيلات النصيٌّة،‮ ‬Hypertext Links،‮ ‬الموضوعة أسفل أية كلمة،‮ ‬التي تسمح‮ (‬عند نقرِها‮) ‬بالانتقال إلي موضعي‮ ‬آخر في نفس النص أو إلي أيٌِ‮ ‬نصٌي‮ ‬آخر في أي كمبيوتر في أطراف الكرة الأرضية‮. ‬تسمح هذه التوصيلات أيضا‮ ‬بالانتقال الآلي إلي قواميس لشرح مدلولات كلمات النص،‮ ‬أو لتقديم أي معلومات عنها‮...‬
ب‮) ‬هو نصٌ‮ ‬هوائي،‮ ‬يمكن الوصول إليه من أي جهاز‮ (‬كمبيوتر،‮ ‬تليفون نقال،‮ ‬جهاز ألعاب الكترونية،‮ ‬جهاز القارئ الالكتروني الجديد‮...) ‬ومن أي مكان‮: ‬المكتب،‮ ‬الشارع،‮ ‬المرحاض،‮ ‬الشاطئ‮... ‬ثمة استعارة تقليدية أنيقة تجصوٌِر هذه الخصوصية بشكلي‮ ‬صائب‮: ‬Cloud Computing،‮ ‬أو‮ »‬الحوسبة السحابيٌة‮« ‬إذا جاز القول‮!...‬
ج‮) ‬هو نصٌ‮ ‬ذّرٌِيٌج‮ ‬الفهرسة‮ (‬يتم فهرسةج‮ ‬كلٌِ‮ ‬كلماته،‮ ‬وليس فصوله فقط مثل الكتاب الورقيٌ‮) ‬بفضل ما تسمي‮: »‬موتورات البحث‮» ‬الكونية‮ (‬مثل جوجول الذي يحوي حاليا أكثر من‮ ‬25‮ ‬مليار نص،‮ ‬ومليار صورة،‮ ‬موزعة علي نصف مليون كمبيوتر،‮ ‬في‮ ‬32‮ ‬موقعا جغرافيا أمينا،‮ ‬كثير‮ ‬منها تتخندقج‮ ‬قرب المفاعل النووية‮)... ‬بفضل موتورات البحث هذه يمكن الوصول إلي الكتاب الرقميٌ‮ ‬بطريقة عبقرية لم تخطر ببال قبل سنوات قلائل‮: ‬يكفي أن تجقدٌّمّ‮ ‬لموتورات البحث كلمة‮ ‬أو بضع كلمات من نصٌِ‮ ‬الكتاب أو من عنوانه،‮ ‬أو كلمات قليلة تتعلٌق به،‮ ‬كي تحمل هذه الموتورات للقارئ‮ (‬مثل خاتم سليمان السحريٌ‮ ‬الخارق‮) ‬الكتابّ‮ ‬أمامه وتضعهج‮ ‬علي الشاشة في بضع ثوان‮! ‬ليس ذلك فحسب،‮ ‬بل تضع للقارئ في نفس الوقت أيضا،‮ ‬كلٌّ‮ ‬النصوص والوثائق والكتب الموجودة علي أنترنت التي تحتوي علي تلك الكلمات المقدمة لموتورات البحث‮!... ‬ألا تبدو الحقيقة هنا أشدٌّ‮ ‬إعجازا‮ ‬من الخيال؟‮...‬
د‮) ‬هو نصٌ‮ ‬سهلج‮ ‬التحديث‮ (‬يتطلب ذلك ثواني‮ ‬فقط أحيانا،‮ ‬بعكس الكتاب الورقيٌ‮ ‬الذي يلزم إعادة طبعه‮!)‬،‮ ‬سهلج‮ ‬النسخ والنقل والإرسال‮ (‬يتمٌ‮ ‬ذلك في هنيهات‮!)‬،‮ ‬سهلج‮ ‬الحمل‮ (‬لا وزن له‮!)‬،‮ ‬ليس له أية مضار بيئيٌة أو أعباء لوجيستيكية ثقيلة مثل الكتاب الورقيٌ‮!... ‬ناهيك أنه أرخص من الكتاب الورقيٌ‮ ‬بكثير لاختفاء الحاجة للورق والمطابع ومكتبات التوزيع‮!...‬
ه‮) ‬هو أرقي وأثري الوسائط الثقافية التي عرفها الإنسان من فجر التاريخ‮: ‬تتعانق فيه كل الوسائط معا،‮ ‬من صوتي‮ ‬وصورةي‮ ‬وفيديو،‮ ‬في وعاءي‮ ‬تفاعليٌي‮ ‬جميلِ‮ ‬الإخراج،‮ ‬متعدٌِدِ‮ ‬الأبعاد،‮ ‬عبقريٌِ‮ ‬المحتوي‮!‬
سأنطٌج‮ ‬فوق السؤال الثاني،‮ ‬دون الإجابة عليه،‮ ‬لضيق المساحة المقترّحةِ‮ ‬لهذا المقال‮. ‬لكني سأجيب باقتضاب علي السؤال الثالث والرابع،‮ ‬الذي ينبغي الرد عليهما،‮ ‬قبل الإجابة علي أسئلة‮ »‬أخبار الأدب‮«:‬
أول هذه المعوقات هو أن الشاشة الحالية‮ (‬للكمبيوتر،‮ ‬التليفون النقال،‮ ...) ‬لم تصمٌم سلفا‮ ‬بهدف قراءة الكتب‮. ‬ناهيك أنها‮ ‬غير ملائمة للقراءة الطويلة،‮ ‬لأن الضوء ينبعث منها مما يرهق العين كثيرا،‮ ‬أو يجرحها أحيانا،‮ ‬لاسيما عند القراءة الطويلة أو القراءة في الظلام أو الضوء الخافت لتنافرهما مع الوهج المنبعث من الشاشة‮!...‬
ثاني هذه العيوب‮: ‬تحتاج شاشات قراءة الكتاب الرقمي الحالية للتعبئة الكهربائية الدائمة‮ (‬بعكس الكتاب الورقي التقليدي الذي يتنقٌّلج‮ »‬بدويٌي‮ ‬راحل‮« ‬طليق،‮ ‬دون حاجةي‮ ‬لطاقةي‮ ‬كهربائية‮).‬
ثالث هذه العيوب‮: ‬الكتاب الرقمي قابل للقرصنة الكونيٌة،‮ ‬يمكن نسخه ملايين المرات في دقائق وإرساله للبشرية جمعاء في برهةي‮ ‬قصيرة،‮ ‬مما يحرم كاتبه من حقوقه الفكرية والمالية،‮ ‬وناشره وبائعه من حقوقهما المالية‮...‬
رغم هذه العيوب استطاع الكتاب الرقمي حتي الآن،‮ ‬في الدول المتطورة بشكلي‮ ‬خاص،‮ ‬اجتياح سوق الكتاب وإقصاء الكتاب الورقيٌ‮ ‬من معظم قرٌّائِه،‮ ‬في‮ ‬3‮ ‬مجالات علي الأقل‮:‬
‮١- ‬المجالات العلمية والتقنية،‮ ‬حيث الكتاب الرقمي‮ (‬المدجٌجج‮ ‬بالتوصيلات النصيٌة التي تسمح بالانتقال اللحظيٌ‮ ‬المباشر إلي كل المراجع،‮ ‬الغنيٌج‮ ‬بكل الوسائط من صوت وفيديو وصور ذات‮ ‬3‮ ‬أبعاد،‮ ‬المجترعج‮ ‬بتمثلات التجارب المختبرية ونصوص المحاضرات بالصوت والصورة،‮ ‬المتجدٌد والمتطوٌِر في كل لحظة‮) ‬يسمح بتقديم المواد العلمية والتقنية بطرق تربوية تفاعلية ثريٌة طازجة،‮ ‬أرقي بكثير من الكتاب الورقيٌ‮ ‬الذي يبدو،‮ ‬في هذه المجالات علي الأقل،‮ ‬وكأنه من مخلفات العصر الحجري‮...‬
‮٢- ‬المجالات العملية‮ (‬مثل التصميم،‮ ‬الطباخة،‮ ‬الرحلات الجغرافية‮...) ‬في هذه الأخيرة علي سبيل المثال،‮ ‬يرتبط الكتاب الرقمي،‮ ‬بشكل مباشر،‮ ‬بأحدث الخرائط والصور الجغرافية الآتية علي التو من الأقمار الصناعية‮...‬
‮٣- ‬المعاجم والموسوعات الانسكلوبيدية التي يتمٌج‮ ‬تطويرجها واغناؤها يوميا،‮ ‬بشكل تفاعليٌي‮ ‬تعاضديٌي‮ ‬كونيٌ،‮ ‬جعل المعاجم والموسوعات الورقية تبدو بالمقارنة بها شديدةّ‮ ‬الفقر والتخلف‮!... ‬يلزم الإشارة هنا إلي موسوعة ويكيبيديا المذهلة،‮ ‬التي يمكن لأي إنسان إغناؤها بأية لغة،‮ ‬والتي أضحت مرجع الملايين من البشر يوميٌا‮... ‬يصعب هنا عدم التنويه إلي أن معظم طوبات هذه الموسوعة،‮ ‬لاسيما في معظم المجالات العلمية والثقافية،‮ ‬تخلو من الترجمة إلي العربية في حين تترجم‮ ‬غالبا‮ ‬إلي لغاتي‮ ‬أقل أهمية من العربية بكثير‮. ‬ناهيك أن إنتاج المعارف بالعربية في هذه الموسوعة ضئيل‮ ‬وشديدج‮ ‬الضحالة بشكلي‮ ‬مريعي‮ ‬لا يخطر ببال‮. ‬ليس في ذلك استثناء لأن الأنترنت العربي،‮ ‬في مجال إنتاج المعرفة وترجمتها بشكلي‮ ‬عام،‮ ‬خواء‮ ‬ليس إلا،‮ ‬ومملكةج‮ ‬قشور‮!...‬
‮ ‬ غير أن الكتاب الرقمي لم يجطِح بعد بالكتاب الورقيٌ‮ ‬في‮ ‬غير هذه المجالات الثلاث،‮ ‬لاسيما في المجالات الأدبية والسياسية والفكرية‮...‬
‮>>>‬
فيما يتعلق بالسؤال الرابع‮: ‬جهاز القارئ الالكتروني‮ (‬مثل جهاز‮ »‬ريدر‮« ‬شركةِ‮ ‬سوني،‮ ‬أو جهاز‮ »‬كِندل‮« ‬الخاص بأكبر مكتبة افتراضية كونيٌة‮: ‬أمازون‮) ‬يمثٌِلج‮ ‬ثورة‮ ‬تكنولوجية حقيقية لأنه صجمٌِمّ‮ ‬للتخلص من المعوقات الثلاث التي أشرتج‮ ‬لها سابقا‮. ‬إذ هو‮:‬
‮١- ‬مبنيٌ‮ ‬علي تكنولوجيا‮ »‬الحِبر الإلكتروني‮« ‬العبقرية التي تسمح لشاشته،‮ ‬مثل الورق تماما،‮ ‬بأن تعكس الضوء الطبيعي دون أن تكون مصدرا‮ ‬له‮. ‬لذلك مثلا‮ ‬لا يمكن قراءة شاشة القارئ الإلكتروني في الظلام أو الضوء الخافت لأنها ليست مصدر ضوء‮!... ‬تناسبج‮ ‬تماما‮ ‬هذه التكنولوجيا العينّ‮ ‬البشرية التي لا تنزعجج‮ ‬من التحديق في سطحي‮ ‬يعكسج‮ ‬الضوء،‮ ‬فيما يدعكجها كثيرا‮ ‬التحديقج‮ ‬في سطحي‮ ‬يجصدِرجه‮! ‬
‮٢- ‬لا يستهلك أي طاقة كهربائية أثناء انعكاس الضوء عليه بالطبع،‮ ‬مما يجعله متورعا‮ ‬جدا في استخدام الطاقة‮ (‬لا تجستخدم فيه إلا أثناء الانتقال من صفحة لأخري‮. ‬يسمح ذلك بتعبئته بالكهرباء في أوقات متباعدة جدٌا‮). ‬
‮٣- ‬هو مبنيٌ‮ ‬أيضا علي مبادئ‮ ‬،
‮ ‬Manage ment Rights‮ ‬D.R.M Digital ،‮ ‬إدارة الحقوق الرقميٌة،‮ ‬التي تسمح بمحاصرة القرصنة بأساليب تكنولوجية ذكيٌة‮...‬
ثمٌة مزايا أخري لا حصر لها لهذا الجهاز الجديد‮: ‬هو خفيف جدا‮ (‬حوالي‮ ‬200‮ ‬جرام‮)‬،‮ ‬جذٌاب،‮ ‬بإمكانه أن يكون وعاء‮ ‬لِعددي‮ ‬غير محدودي‮ ‬من الكتب تقريبا،‮ ‬وبسيلي‮ ‬حيٌي‮ ‬متجدٌِدي‮ ‬من المعلومات حول كل كتاب‮: ‬المقالات النقديٌة المنشورة عنه،‮ ‬الإحصائيات الخاصة به،‮ ‬الكتب الشبيهة أو التي يلزم قراءتها بعده‮...‬
بالإضافة إلي ذلك‮: ‬يمكن تصفح الكتاب أثناء قراءته علي هذا الجهاز بِطرقي‮ ‬مريحة تستجيب لرغبات عيني كل إنسان علي حدة‮. ‬يمكن أيضا،‮ ‬أثناء كسل أو إرهاق القارئ أو قبل نومه إذا أحب،‮ ‬أن يواصلّ‮ ‬الجهازج‮ ‬قراءةّ‮ ‬النصٌِ‮ ‬بِصوتي‮ ‬لذيذي‮ ‬ناعم،‮ ‬وعلي نغمات الموسيقي التي تريحج‮ ‬السامع‮...‬
السؤالان الخامس والسادس يحتاجان لصفحات طويلة لا تسمح لها المساحة المقترحة لهذا الرد‮!... ‬السادس مثلا‮ ‬مثارج‮ ‬جدل ودراسات مستمرٌة في الغرب‮. ‬للخوض في السؤال الخامس يلزم سرد قائمةي‮ ‬طويلة من مشاريع الترقيم الدوليٌة العملاقة‮ (‬مثل مشروع جوجول وبعض كبار المكاتب القوميٌة في‮ ‬2004‮ ‬بترقيم‮ ‬15‮ ‬مليون كتاب،‮ ‬مشروع ميكروسوفت الموازي،‮ ‬مشروع المكتبة القومية الفرنسية بترقيم‮ ‬6‮ ‬ملايين كتاب،‮ ‬مشروع دول الشمال الأوربي،‮ ‬اليونسكو‮...) ‬التي يفتقر العالم العربي لنظائرها بشكل كليٌي‮ ‬مفجع‮...‬
‮>>>‬
أعود لأسئلة‮ »‬أخبار الأدب‮« ‬الآن لأقول‮: ‬من الغشٌِ‮ ‬بمكان التكهن السريع والقول بأن جهاز القارئ الإلكتروني سيقضي علي الكتاب التقليدي ويجردِيهِ‮ ‬قتيلا‮ ‬في يومي‮ ‬وليلة‮!... ‬ثمة إحدي فرضيتين تتوقعهما التقارير الدولية الجادة‮ (‬لاسيما التقرير الرسمي الفرنسي الذي ظهر في نهاية يونيو‮ ‬2008‮ ‬بتكليف من وزير الثقافة،‮ ‬وتقرير لجنة الناشرين الإنجليز الذي ظهر في نفس العام،‮ ‬اللذان استندتج‮ ‬عليهما كمرجعين مهمٌين لهذا المقال‮):‬
‮١- ‬أن يواصل الكتاب الرقمي بشكلي‮ ‬تدريجيٌ‮ ‬توغٌلهج‮ ‬وتقليصه لمساحات نفوذ الكتاب الورقيٌ،‮ ‬بعد وصول جهاز القارئ الالكتروني وبفضله،‮ (‬لاسيما في المجالات الأدبية وغيرها من المجالات التي يهيمن عليها الكتاب الورقيٌ‮ ‬حاليا‮) ‬لكن بخطوات أسرع مما حدث في السنوات الأخيرة‮. ‬خاصة‮ ‬وأن مشاريع الترقيم الدولية‮ (‬مثل مشروع جوجول‮: ‬http://books.google.com) قد بدأت تنضح بعدد هائل من الكتب المرقٌمة المجانية‮!...‬
‮٢- ‬أن يقتحمّ‮ ‬الكتابج‮ ‬الرقميٌج‮ ‬سوقّ‮ ‬الكتاب بشكلي‮ ‬مفاجئي‮ ‬عنيف،‮ ‬موجٌِها‮ ‬للكتاب الورقيٌ‮ ‬ما يجشبِهج‮ ‬اللكمة القاضية،‮ ‬علي‮ ‬غرار اقتحامِ‮ ‬الموسيقي الرقميٌة لِسوقِ‮ ‬الموسيقي بفضل جهازي‮ ‬وعرضي‮ ‬ذكيين‮: ‬جهاز ال‮ ‬iPod‮ ‬المرافقِ‮ ‬لِعرضِ‮ ‬iTune‮ ‬علي انترنت،‮ ‬التابعين لِِشركة آبل التي تصنع كمبيوترات الماكينتوش‮!...‬
لا يستطيع أحد أن يتكهن أيٌة فرضيٌة من هاتين ستتجذٌّرج‮ ‬علي صعيد الواقع‮. ‬ما أعتقده شخصيٌا‮ ‬هو أن تكاملا‮ ‬ما بين الكتاب الرقمي والكتاب الورقيٌ‮ ‬سيفرض نفسه،‮ ‬مثل تكامل الراديو مع التلفاز الذي لم يمح الراديو من الوجود أو يحل محلٌها تماما‮. ‬سيلعب الكتاب الرقميٌج‮ ‬بالطبع دور التلفاز في هذا السيناريو الذي أرجٌِحهج‮ ‬تماما‮. ‬غير أن الكتاب الورقي سيظلٌج‮ ‬في بعض الأفياء التي لم تهيئ نفسها لجديد التعليم والتكنولوجيا‮ (‬مثل عالمنا العربي‮) ‬أشبه بالراديو التي ما تزال وحدها الجهاز المستخدم في بعض قري العالم التي لا تصلها الكهرباء‮!...‬
استعارتي المفضلة لتبرير ذلك تأتي من علاقتي بالأطلس والخرائط الجغرافية‮: ‬لديٌ‮ ‬مجلدات أطلس فخمة‮ (‬تابعة لموسوعة يونيفرسليس‮) ‬أحتفظ بها في البيت بشكلي‮ ‬مّتْحّفِيٌ‮!... ‬لن أجفرٌط بها بالطبع وإن لم تعد تعكس بدقٌة عالّم اليوم الذي تغيٌرت حدوده الجغرافية كثيرا‮. ‬سيرِثجها أطفالي وأحفادهم،‮ ‬حتي يرث الله الأرضّ‮ ‬ومن عليها‮!... ‬لديٌ‮ ‬أيضا‮ ‬خارطة ورقيٌّة لِلعالّم،‮ ‬ملصقة‮ ‬علي يميني في جدار المرحاض منذ عشرين سنة،‮ ‬أهيمج‮ ‬في رؤيتها أحيانا‮ ‬في لحظات الخمول علي مجلس المرحاض‮! ‬هي الأخري لن أفرٌط بها أبدا‮... ‬بيد أني،‮ ‬في حياتي اليومية والعمليٌة،‮ ‬لا أقرأ إلا الخرائط الرقميٌة‮! ‬هي وحدها من تجيب علي أسئلتي الماكروسكوبية والميكروسكوبية أثناء التنقلِ‮ ‬من مكان لمكان،‮ ‬أثناء البحث عن معلومة ما،‮ ‬أثناء الرغبة بمعرفة حالة الطقس أو المواصلات في هذا الشارع أو ذاك من كوننا الفسيح‮!... ‬كلٌج‮ ‬ماعدا هذه الخرائط الرقمية في نظري تحف‮ ‬أركيولوجية‮!...‬
كلمة أخيرة‮: ‬قد يبدو الحديث عن جهاز القارئ الالكتروني في عالمنا العربي‮ (‬لاسيما اليمن الذي تقترب نسبة الأمية فيها من‮ ‬70‮ ‬في المائة‮) ‬أشبه ب‮ »‬نكتةي‮ ‬في مقبرة‮«! ‬لا أدري‮!... ‬ما أستطيع تأكيده هنا هو أن مشاريع الترقيم الحالية العملاقة في الغرب‮ (‬وما سبقتها من مشاريع تمهيدية ضخمة‮) ‬توسٌِعج‮ ‬الهوة التي تفصل عالمنا العربي عن العالم المتقدٌم‮: ‬سيبدو‮ »‬الأرنب‮« ‬الغربي مججّنٌّحا‮ ‬بعد الترقيم،‮ ‬في حين أن‮ »‬السلحفة‮« ‬العربية ستبدو عرجاء تماما،‮ ‬إن لم تبدج‮ (‬بفعل قوانين الميكانيكا علي الأقل‮) ‬وكأنها‮ ‬تتقدٌّم إلي الخلف بخطي‮ ‬حثيثة‮!...‬


حبيب عبد الرب سروري


خبراء المكتبات والتكنولوجيا‮ ‬يتوقعون‮:‬
نصف قرن قبل هيمنة الكتاب الإلكتروني‮!‬
لا تزال تجربة المصريين مع الكتاب الالكتروني‮ ‬في بداياتها، وبالتالي‮ ‬لا‮ ‬يعرف معظمهم عن القفزة الضخمة التي حققها جهاز القارئ الإلكتروني كبديل للكتاب الورقي‮.‬
لكن هل‮ ‬ينجح القارئ الإلكتروني مع الوقت في سحب البساط من تحت أقدام الكتاب الورقي،‮ ‬وما هي فرص النجاح الممكنة له في هذا الصدد؟
‮ ‬يعتبر د.نبيل علي أن الكلام عن القارئ الإلكتروني‮ ‬يتطلب متابعة دقيقة للتطورات الحادثة في مجال النشر الإلكتروني،‮ ‬لأن الكتاب الإلكتروني،‮ ‬مثل جميع تطبيقات التكنولوجيا،‮ ‬يتطور بشكل مستمر ليصير مرضيا لمتطلبات مستخدميه،‮ ‬حتي‮ ‬يصبح‮ ‬_‮ ‬مع مرور الوقت‮- ‬أقرب إلي شكل الكتاب المطبوع،‮ ‬ويشير د.علي إلي أن الإلمام بتواجد هذه التقنية في مصر لا‮ ‬يتوافر إلا للمهتمين بالنشر الإلكتروني‮ ‬والمكتبات،‮ ‬لأن مساحة انتشارها بين القراء محدودة‮.‬
اللافت أن جميع المتخصصين في‮ "‬المكتبات‮"‬،‮ ‬مثل أساتذة أقسام الوثائق والمكتبات بالجامعات المصرية،‮ ‬لا‮ ‬يعتبرون جهاز القارئ الإلكتروني‮ ‬بمثابة تهديد للكتاب الورقي،‮ ‬بل‮ ‬ينظرون إليه كمجرد تطوير لعملية القراءة بشكلها التقليدي‮... ‬كأنه تواجد مواز،‮ ‬بمعني أن وسيلة القراءة الجديدة لا تتنافس مع الوسيلة القديمة بقدر ما تواجه‮- ‬الوسيلتان‮- ‬ضربات موجعة بسبب إقبال القراء علي الكتب المستعملة ومطالعة النسخ الإلكترونية المقرصنة علي الإنترنت‮! ‬
‮ ‬يري د‮. ‬فتحي عبد الهادي،‮ ‬أستاذ بقسم وثائق ومكتبات جامعة القاهرة،‮ ‬أن تطور القراءة،‮ ‬ونقلها من الوسيط الورقي إلي الوسيط الإلكتروني‮ ‬جاء من جانب شركات الإلكترونيات،‮ ‬ولم تمارس دور النشر أي خطوة في هذا الإتجاه‮... ‬ويضيف أن الناشرين المصريين لا‮ ‬يثقون بالكتاب الإلكتروني،‮ ‬ويعتبرونه‮ ‬غير مربح تجاريا‮!‬
القارئ إعتاد علي شكل محدد للكتاب‮- ‬حسبما‮ ‬يري د.عبد الهادي‮- ‬لهذا تسعي شركات التكنولوجيا إلي عدم وجود أي‮ ‬اختلافات بين الطريقة المعتادة والطريقة الإلكترونية‮.‬
‮>>>‬
من جانبه‮ ‬يستعيد د‮. ‬عماد عيسي أسباب نشأة الكتاب الإلكتروني،‮ ‬حيث بدأ الحلم بتحويل الكتاب إلي حروف علي سطح شاشة في حجم الكتاب‮.‬
كانت بدايات الحلم في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لاحظ بعض المهتمين بالتكنولوجيا أن إقبال الأجيال الشابة علي قراءة الكتب تراجع‮: "‬لأن هذه الأجيال تنجذب إلي التقنيات والتكنولوجيا أكثر من إنجذابها للمعرفة بشكلها التقليدي‮"‬،‮ ‬لهذا بدأ‮ ‬_‮ ‬المهتمون بالتكنولوجيا والثقافة‮- ‬بالبحث عن حلول‮.‬
محاولات تطوير تسعي إلي تزويده بالإمكانيات التي‮ ‬تجعله حميميا‮ ‬مثل الكتاب الورقي‮ ‬بالضبط،‮ ‬ليصير في الإمكان وضع علامات علي بعض الفقرات المميزة بالنسبة للقارئ،‮ ‬إلي جانب سهولة التنقل بالجهاز‮.‬
كما‮ ‬يشير د.عيسي إلي بعض المزايا التي‮ ‬يقدمها الكتاب الإليكتروني لمتصفحه ومنها‮: ‬وجود قاموس لترجمة الكلمات الأجنبية الموجودة بنص الكتاب،‮ ‬وإمكانية وضع هوامش،‮ ‬وذلك من خلال وضع القارئ لإشارات علي بعض فقرات الكتاب،‮ ‬والتعليق علي ما بها من أفكار،‮ ‬وكتابة الملاحظات أيضا‮. ‬كما‮ ‬يمكن العودة لقراءة الكتاب من نفس نقطة التوقف في القراءة السابقة‮. ‬والذي‮ ‬يعد تطوير ل"بوك مارك‮".‬
‮>>>‬
المدهش في مزايا القارئ الإلكتروني تناسبه مع ما‮ ‬يعرف بالقراءة القفزية،‮ ‬وذلك من خلال قراءة‮ ‬غير مرتبة،‮ ‬يمكن‮- ‬خلالها‮- ‬عدم قراءة بعض أجزاء الكتاب وتجاوزها بحثا عن المعلومات المفيدة للقارئ،‮ ‬وجميع أجهزة القارئ الإلكتروني توفر هذه الخاصية،‮ ‬حيث‮ ‬يبحث القارئ داخل الكتاب عن الكلمات أو الأفكار التي‮ ‬يهتم بها،‮ ‬وبهذا‮ ‬يوفر له الكتاب الإلكتروني المادة التي‮ ‬يريدها في أقل وقت ممكن‮! ‬
أسأل د‮. ‬فتحي عبد الهادي‮: ‬هل‮ ‬يمثل ال‮ "‬e-book reader‮ " ‬نهاية الكتاب المطبوع؟ فيجيب‮ ‬قائلا‮:" ‬المستقبل سيكون من نصيب هذه التقنية،‮ ‬خاصة أنها تتطور بشكل مستمر متجاوزة كل العيوب المأخوذة عليها‮"‬غير أن هذا لن‮ ‬يكون قبل نصف قرن‮. ‬
‮ ‬أما د.عماد عيسي فيضرب مثالا للإجابة علي السؤال قائلا‮:"‬بعض الكتب تتوافر في نسخ ورقية،‮ ‬وأخري إلكترونية،‮ ‬ستجد أن الإقبال علي الأولي أكبر من الإقبال علي النسخة الإلكترونية،‮ ‬ربما‮ ‬يعود ذلك إلي ارتفاع سعر الأخيرة عن سعر النسخة الورقية،‮ ‬ولكن الناشرين الأمريكيين‮ ‬_‮ ‬علي سبيل المثال‮- ‬لم‮ ‬يتنبأوا بنهاية الكتاب الورقي‮". ‬مازال أمام الكتاب‮ ‬الإلكتروني عدة تحديات‮.‬


أحمد وائل



قصائد تقترب من دائرة الفهم الصوفي للعالم‮:‬
‮ ‬الموت هو الوجود الحق
‮ ‬يعدٌ‮ ‬اسكندر حبش واحدا من الشعراء اللبنانيين المعاصرين الذين تفتٌّح وعيهم الفنٌي‮ ‬علي الكتابة الشعرية في‮ ‬حقبة الثمانينيات،‮ ‬بكل ما شهدته تلك الفترة من تحولات أيديولوجية وسياسية طالت مفاهيم الفن والثقافة والسياسة في‮ ‬لبنان والعالم العربي،‮ ‬فانفتح وعي‮ ‬هذا الجيل علي إبداعات الآخر الشعرية والروائية والفكرية قراءة‮ ‬وترجمة‮ ‬واقتباسا،‮ ‬وأدرك حبش ورفقاؤه أنهم بصدد زمن مختلف تلاشت فيه المقولات الكبري والسرديٌات الجليلة‮ ‬التي‮ ‬راجت في‮ ‬فترتي‮ ‬الستينيات والسبعينيات،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬ساهم في‮ ‬إثراء الجانب الحيوي‮ ‬في‮ ‬لعبة الكتابة المعاصرة عند شعراء هذا الجيل بصفة عامة وفي‮ ‬بنية القصيدة عند اسكندر حبش بصفة خاصة‮. ‬وفي‮ ‬ديوانه السادس‮ "‬الذين‮ ‬غادروا‮" ‬يحفر اسكندر حبش في‮ ‬أرضية الشعرية العربية الجديدة ويقف علي تخوم جماليات مغايرة لقصيدة النثر المعاصرة من خلال عدد من التيمات أو الموتيفات المتكررة التي‮ ‬يمكن‮ ‬أن‮ ‬
نرصدها سريعا في‮ ‬ثنايا ديوانه‮.‬
1
تنهض قصائد الديوان ومقاطعه علي تفجير تجليات مفهوم‮ "‬الأثر‮" ‬في‮ ‬حياتنا بطريقة تجعل القارئ المتابع لتطورات الحركة النقدية والفلسفية المعاصرة‮ ‬يستدعي‮ ‬من ذاكرته ما طرحه الناقد والفيلسوف الفرنسي‮ ‬الجنسية‮ (‬الجزائري‮ ‬الأصل‮) ‬جاك دريدا،‮ ‬الذي‮ ‬كانت له اليد الطولي في‮ ‬إرساء حركة التفكيكة بوصفها منهجا في‮ ‬تفسير النصوص الثقافية والفلسفية ورؤية للحياة والوجود قبل أن تكون نظرية أدبية أنتجتها أفكار ما بعد البنيوية التي‮ ‬ثارت علي أيقونة البنية،‮ ‬والنص ودعت إلي موت المؤلف‮. ‬ومن‮ ‬يقرأ هذا الديوان ويتأمٌّل عنوانه جيدا‮ "‬الذين‮ ‬غادروا‮" ‬ويحلٌل صوره ورموزه في‮ ‬ضوء مفهوم‮ (‬الأثر‮) ‬سوف‮ ‬يدرك قيمة هذا الفهم وخطورته في‮ ‬آن‮. ‬ف‮ "‬الذين‮ ‬غادروا‮" = (‬الموتي أو الراحلون أو الغائبون أو المنفيٌون‮) ‬تركوا آثارا وذكرياتي‮ ‬وعلاماتي‮ ‬وحكاياتي‮ ‬لا‮ (‬ولن‮) ‬تنفد‮. ‬كأن هذا الكتاب‮ ‬يبحث عن/في‮ ‬شعرية الموت،‮ ‬أو لنقل شعرية ما بعد الموت،‮ ‬لا أقصد الموت من حيث إدراكنا المحدود له الذي‮ ‬يعتبره نهاية للحياة الدنيا،‮ ‬بل من حيث كون الموت عتبة لحيوات أخري‮ ‬يحيل إليها الديوان وقصائده وصوره المتعدٌدة،‮ ‬بمعني‮ ‬يجاوز دنيوية الرؤيا للوجود ويقترب حثيثا‮ ‬من دائرة الفهم الصوفي‮ ‬للعالم أحيانا‮. ‬أي‮ ‬أن المفهوم المركزي‮ ‬لشعرية الكتابة في‮ ‬هذا الديوان هو‮ (‬الموت بوصفه الوجود الحق‮).‬
2
يتكوٌن الديوان من أربعة فواصل كبري هي‮ "‬بعض حواف الليل‮"‬،‮ "‬أيام لم تغادرنا‮"‬،‮ "‬تنويعات علي الليل‮"‬،‮ "‬ألوان سبعة‮"‬،‮ ‬يضم كل منها عددا كبيرا من القصائد بعضها معنون وبعضها الآخر‮ ‬يحمل أرقاما فحسب،‮ ‬تؤلٌف كلها في‮ ‬النهاية ديوانا‮ ‬يقترب من مائتي‮ ‬صفحة‮. ‬لكن مفهوم الأثر الذي‮ ‬تطرحه قصائد حبش‮ ‬يستعين بعدد لافت من الاستراتيجيات النصية والصور الشعرية والرموز المتناثرة في‮ ‬ثنايا الديوان‮. ‬أول هذه الاستراتيجيات هو مفهوم الزمن‮. ‬وليس الأثر‮ - ‬في‮ ‬فهمه الأوٌلي‮- ‬سوي رد‮ ‬ٌفعل تابع لفعل آخر‮ ‬يسبقه في‮ ‬زمن الوجود وليس الرتبة‮. ‬فالأثر‮ - ‬من حيث الرتبة‮ ‬_‮ ‬قد‮ ‬يكون أوقع في‮ ‬النفس من الفعل الأول،‮ ‬لأن الحياة حسب هذا التصور عتبة والعالم محض لغة‮:‬
‮"‬لا تتأخر كثيرا
الليل هو وجه الزمن
هل ستقرأ إذا‮ ‬من خلال هذه العتبة؟
لا تقل إنها الكلمات‮.‬
هي‮ ‬اللغة التي‮ ‬تبحث فيك عن ذاكرتها‮". ‬
‮ ‬عبر هذا الفهم،‮ ‬تتجلٌي للقارئ بؤرة الدلالة،‮ ‬حيث‮ ‬يتعامل الشاعر مع الموت بوصفه الوجود الحق كما سبق أن قلت‮. ‬مّنْ‮ ‬يمتْ‮ ‬لا‮ ‬يفني،‮ ‬ومن‮ ‬يرحلْ‮ ‬لا‮ ‬يعدم رفقاؤه أن‮ ‬يعثروا له علي أثري‮ ‬هنا وعلامةي‮ ‬هناك،‮ ‬تلحٌ‮ ‬عليهم حتي المطاردة‮. ‬
سيأتون بعد أن‮ ‬يكون السواد
قد خفٌّف من‮ ‬غلوائه
سيأتون
يتٌشحون به
كذكري لأيام مقبلة
كذكري لأيام ماضية
لأن من ماتوا لم‮ ‬يفْنّوا ولم‮ ‬ينتقلوا من حيز الوجود إلي فضاء العدم كما‮ ‬يتصور البعض،‮ ‬بل الحق أنهم انتقلوا من حيٌز المتعيٌن الضيق إلي رحابة اللا متعيٌن المفتوح‮. ‬من ماتوا نضجوا‮: "‬هكذا انحنوا‮/ ‬مثل فاكهة‮/ ‬تقع علي الأرض‮". ‬إذن لكل شيء أثر في‮ ‬قصائد حبش‮: ‬للطفولة أثر،‮ ‬وللعائلة أثر،‮ ‬وللقجبْلة أثر،‮ ‬ولليل أثر،‮ ‬وللموت أيضا أثر،‮ ‬بل أعظم الآثار‮.‬
‮ ‬ولأن الموت في‮ ‬أحد تصوراته هو الأثر الأكبر لمعني الوجود،‮ ‬بل هو الوجود الحق حسب رؤية الشاعر وقصائده،‮ ‬ف‮ "‬الموت حقل‮"‬،‮ ‬و"الموت هو أيضا بقايا النور‮"‬،‮ ‬و"الحياة خديعة‮". ‬ومن جهة ثانية،‮ ‬يصبح الموت مثيرا في‮ ‬حد ذاته لآثار تالية متلاحقة ومتنامية،‮ ‬بحيث تنسحب معه صورة الليل ومفرداته،‮ ‬حيث العتمة واللون الأسود والصمت،‮ ‬علي رموز الكتابة وكائنات القصائد‮: "‬في‮ ‬العتمة تنهض الشفة‮"‬،‮ "‬أنت في‮ ‬أول الليل‮"‬،‮ "‬نقطة من ليل‮/ ‬لتتركيني‮ ‬ألملم‮/ ‬ما تبقٌّي لي‮ ‬من حياة‮"‬،‮ "‬حين‮ ‬يرحل الليل‮/ ‬تأتي‮ ‬مياه‮/ ‬من عتمة الجسد‮"‬،‮ "‬يكتب الليل نفسه‮/ ‬حول السرير‮/ ‬حول الوردة‮/ ‬التي‮ ‬تستدير باتجاه العصفور‮".‬
3
تشتغل،‮ ‬إذن،‮ ‬قصيدة النثر في‮ ‬ديوان اسكندر حبش عبر استراتيجيات وعلامات نصية وشفرات تأويلية متعدٌدة ومتناثرة بين المقاطع والجمل‮. ‬كان أولها الزمن كما أشرنا‮. ‬أما ثانيها فهو الصمت،‮ ‬لا بمعني المسكوت عنه في‮ ‬القصيدة الحديثة أو المعني المبتور أو المرجأ فحسب،‮ ‬بل الذهاب أكثر فأكثر إلي صمت الأشياء وصمت اللغة،‮ ‬أي‮ ‬أن‮ ‬يصبح الصمت أحد مدركات الذات الشاعرة ويتم تصويره شعريا‮: "‬ارم‮/ ‬هذا الألم‮/ ‬تماما كحصاة/كي‮ ‬يطفو الصمت علي سطح‮/ ‬المياه‮"‬،‮ ".. ‬بين تنهيدة وأخري‮/ ‬يمتشق الفجر‮/ ‬ضفافا بعيدة‮/ ‬بين رعشة وأخري‮/ ‬يولد عالم‮/ ‬لمن إذا‮ ‬كل هذا الصمت؟‮". ‬أما ثالث هذه الاستراتيجيات هو ضمير المخاطب‮ (‬المؤنث‮) ‬الذي‮ ‬تتوجه إليه أغلب قصائد الديوان وبخاصة مفتتحات الجزء الأول منه‮ "‬بعض حواف الليل‮": " ‬لا تطيلي‮ ‬حفر هذه النقوش‮"‬،‮ "‬لا تعيدي‮ ‬الموجة‮"‬،‮ "‬أخرج من‮ ‬يديكِ‮"‬،‮ "‬لا ترسمي‮ ‬نهدا‮"‬،‮ "‬لتأخذي‮ ‬مني‮ ‬هذه الصباحات‮".....‬
4
يبقي في‮ ‬نهاية المطاف،‮ ‬ضرورة التأكيد علي أن تداخل المنظور الصوفي‮ ‬للرؤية والمنظور الوجودي‮ ‬لا‮ ‬يعني‮ ‬التعارض أو التناقض،‮ ‬بل هي‮ ‬وحدة العقل الإنساني‮ ‬والمخيٌلة،‮ ‬تلك الوحدة التي‮ ‬تنفي‮ ‬التعارض،‮ ‬واجتماع ما لا‮ ‬يجتمع إلا في‮ ‬ذهن الشاعر‮. ‬لذلك،‮ ‬يصبح الجسد حمولة بنبغي‮ ‬علي الراحل التخفٌف منها قدر المستطاع‮:‬
‮""‬لا تكن سوي هذا الجسد الفاقد مادته‮/ ‬لا تكن سوي هذا الجسد الذاهب إلي آخر رغبته‮". ‬لأن الراحل‮ ‬يشبه أوديب‮: "‬الليل تحت هذه الأصابع‮/ ‬يجعلني‮ ‬أعمي‮/ ‬فهل من نبوءات‮/ ‬كي‮ ‬توقظ الكائن؟‮".‬
من هنا،‮ ‬وعبر هذا التضافر بين الديني‮ ‬والدنيوي،‮ ‬الصوفي‮ ‬والوجودي،‮ ‬تتأرجح الرؤية التي‮ ‬تختصر فعل الحياة باعتباره أثرا سابقا من آثار الموت الذي‮ ‬هو جوهر الوجود وليس العدم،‮ ‬لأن العدم هو ما لا أثر له،‮ ‬أما الموت فكم من آثار له تحيا بيننا منذ أن خلق الله العالم حتي‮ ‬يوم القيامة‮: ‬
‮"‬مهما كان عليه نهاركّ
ستكبر
بين الحجارة والليل
ستسير بين موت وآخر
كي‮ ‬تبحث عن أفق واه
وإذا ما وصلتّ
ستقول للغريبة التي‮ ‬تنتظر
‮."‬لا تبحثي‮ ‬عن فمك علي شفتيٌ
‮ ‬ثمة تأثيرات عدٌة تسكن البنية العميقة لقصيدة اسكندر حبش،‮ ‬بعضها عربي‮ ‬الطابع،‮ ‬لكن أغلبها‮ ‬يحيل القارئ إلي الشعر الغربي‮ ‬والفرنسي‮ ‬تحديدا،‮ ‬مثل بيير ريفردي،‮ ‬وجان تورتيل،‮ ‬وفرناندو بيسوا،‮ ‬وباول تسيلان الذي‮ ‬ضمٌن حبش أحد أبياته في‮ ‬القصيدة التي‮ ‬ذكرناها أعلاه،‮ ‬وغير ذلك من تأثيرات تثبت لنا كل‮ ‬يوم أن شعرية قصيدة النثر العربية المعاصرة تحلٌق بنا في‮ ‬فضاءات مغايرة لجماليات الشعر العربي‮ ‬التي‮ ‬طالما ألفناها سنوات وسنوات،‮ ‬وتضعنا بصدد مساءلة كبري تفرض علينا‮ ‬_‮ ‬بإلحاح‮ - ‬منظورا مختلفا في‮ ‬التعامل مع القصيدة العربية الجديدة سواء من حيث آليات القراءة والتلقٌي‮ ‬أو من حيث التأويل والدرس النقدي‮.‬


د‮. ‬محمد الشحات


الصحراء‮ .. ‬بطولة مطلقة في كتب الجامعة الأمريكية
أصدر قسم النشر بالجامعة الأمريكية مجموعة جديدة من الكتب باللغة الإنجليزية‮ ‬،‮ ‬منها‮ " ‬أغاني الصحراء‮" ‬ل"أريتا بايجين‮" ‬،‮ ‬وهي كاتبة و مصورة وعضو في الجمعية الملكية الجغرافية تعيش في‮ "‬أمستردام‮"‬،‮ ‬صدرت لها كتب عديدة تدور كلها حول الصحراء،‮ ‬تركت عملها الذي مارسته طوال عشرين عاما كناشطة بيئية،‮ ‬من أجل استكشاف صحاري مصر و السودان،‮ ‬علي هودج صغير محمول علي جمل‮ .‬
اختارت الكاتبة صفحتين في بداية الكتاب لتسجيل تفاصيل ما أنفقته خلال رحلاتها من سنة1990حتي2003،‮ ‬ثم فصلا بعنوان"الصحراء بيتي‮"‬،‮ ‬تشرح فيه كيف ظلت الصحراء بالنسبة لها ولسنوات عديدة مجرد لوحات مرسومة تحدق بها في شوق،‮ ‬ثم كيف أن‮ ‬غزواتها القصيرة لصحراء سيناء لا تحتسب،‮ ‬فقد كانت تبحث عن شيء أكثر رحابه وخواء،‮ ‬وصورة ذهنية لأفق لا نهاية له،‮ ‬وسماء صافية،‮ ‬وأرض جرداء،مكان يمكن الاختفاء فيه دون أن يلاحظ أحد‮.‬
ثم واتتها الفرصة لاقتران الحلم بالواقع سنة1988،‮ ‬في رحله بالجمال إلي واحة تحمل اسم‮ "‬عين التنين‮" : "‬هناك تسمرت قدماي،‮ ‬شعرت أنني أليس في بلاد العجائب‮.. ‬انه مكان خيالي رائع من الصخور الكلسية الصلبة،‮ ‬و الرمال المنحدرة‮.."‬،‮ ‬و تستمر في الكتاب علي هذا المنوال من الوصف الرائع لأماكن زارتها في قلب الصحاري‮.‬
‮ ‬كما أصدر قسم النشر بالجامعة الأمريكية كتابا بعنوان"حدائق المواقع المقدسة‮"‬،‮ ‬التراث البدوي والتاريخ الطبيعي لأعالي جبال سيناء،‮ ‬كتبه"سامي زلط‮" ‬و"فرانسيس جلبرت‮"‬،‮ ‬حول بدو"الجبلية‮" ‬الذين يعيشون علي سفوح وعرة عالية في جبال جنوب سيناء،‮ ‬و المحصورين في منطقة محمية‮ "‬سانت كاترين‮"‬،‮ ‬بمنطقة تم إعلانها موقعا للتراث العالمي،‮ ‬كأحد أهم مناطق المحميات في العالم،‮ ‬بسبب تراثها الإنساني،‮ ‬سواء كان تاريخيا أو ثقافيا أو بيئيا أو دينيا،‮ ‬بالإضافة لوجود أعلي الجبال المصرية بها وهو جبل"كاترين‮"‬،‮ ‬وأحد أقدس بقاع العالم‮ :"‬طور سيناء‮". ‬مع شرح علاقة بدو"الجبلية‮" ‬العميقة ببيئتهم القاسية‮ ‬،‮ ‬واستغلالها بطريقة فريدة،‮ ‬بإبداع بساتين لمزروعاتهم‮ ‬،‮ ‬وتمهيد سفوح الجبال لزراعة الفاكهة و الخضروات‮ ‬،‮ ‬التي تبدو كما لو كانت تنبت من الصخر،‮ ‬مع وصف تراث و ثقافة أهل المنطقة‮ ‬،‮ ‬و بالإضافة لأنواع الفواكه و الخضروات المزروعة‮ ‬،‮ ‬قدم المؤلفان وصفا تفصيليا لأنواع الطيور والسحالي والحشرات ذات الصلة بالمزروعات و البيئية المحيطة بها،‮ ‬مدعما بالصور و لوحات الرسوم المائية‮.‬
والكتاب الثالث عنوانه الأرض الحمراء‮.. ‬آثار حضارة الصحراء الشرقية المصرية‮" ‬كتبه‮:"‬ستيفن إي سيد بوثام‮"‬،و"مارتين هينز‮"‬،‮ ‬و"هيندركي إم ماونز‮"‬،‮ ‬و يبين الكتاب أنه بالرغم من تركز السكان في وادي النيل و الدلتا منذ آلاف السنين،‮ ‬إلا أن الصحراء الشرقية لعبت دورا حاسما في التاريخ المصري‮ ‬وكيف أن السكان القدامي يرهبون الصحراء،‮ ‬ويمتنعون عن المخاطرة والاستثمار هناك،‮ ‬إلا أنهم استغلوا الثروة المعدنية للمنطقة،‮ ‬كما حققوا ربحا من نقل أنواع معينة من السلع عبر الصحراء الواقعة بين النيل و البحر الأحمر‮ ‬،‮ ‬والمجلوبة من البلاد العربية و الهند وغيرها في أي مكان تجاه الشرق‮.‬
يحتوي الكتاب علي أكثر من‮ ‬182‮ ‬صورة‮ ‬،‮ ‬مع رسومات توضيحية استرجاعية استرشادا بأدلة موجودة في الواقع‮ ‬،بالإضافة لآخر الأبحاث و التقارير من مصادر قديمة،‮ ‬ومن الرحالة المعاصرين‮ ‬،‮ ‬تصطحب القراء في رحلة داخل أبعد و أجمل بقاع الصحراء الشرقية‮ ‬،لاكتشاف التاريخ الإنساني للمنطقة‮.‬


مرفت عمارة


المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية من العلب المضادة للصدأ إلي الكمبيوتر‮:‬
كتب السحر في قمقم مختوم
في خلفية مسجد السيدة زينب تقع المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية،‮ ‬التي تتبع وزارة الأوقاف،‮ ‬لها بابان تفصلهما مسافة أمتار،‮ ‬كأن هذه المسافة تهيئة للقادمين من شارع السد المزدحم إلي المكتبة،‮ ‬علي‮ ‬يمين الممر الضيق بعد الباب الثاني تقع مكتبة المطبوعات العادية،‮ ‬تكمن أهميتها كما‮ ‬يقول محمد حلمي أحد المشرفين علي المكتبة في احتواء كتبها علي عدد كبير من الإشارات عن المخطوطات،‮ ‬كما أنها تضم أجهزة الكمبيوتر التي‮ ‬يطالع من خلالها الباحثون المخطوطات،‮ ‬يستطيع الباحثون تقليب الصفحات عن طريق هذه الأجهزة،‮ ‬فممنوع منعا‮ ‬باتا‮ ‬لمس الأوراق الأثرية باليد‮..‬
في الطابق العلوي تقع مكتبة المخطوطات،‮ ‬الانطباع الأول عن المكان أنه شديد النظافة والتنظيم،‮ ‬المخطوطات‮ ‬يتم عرضها علي الأرفف من خلال علب ذات لونين إما خضراء أو حمراء،‮ ‬الحمراء ممنوع الاطٌلاع عليها لأنها خاصة بكتب السحر،‮ ‬يقول المشرف العام علي المكتبة خلوصي محمود خلوصي إن العلب مصنوعة من مادة تقاوم التأكسد،‮ ‬وهذه هي المرة الأولي التي تجقدم جهة علي هذه الفكرة التي تضمن حماية فائقة للمخطوطات‮..‬
يشير خلوصي إلي بعض لوحات خطية لآيات قرآنية وأحاديث نبوية معلقة علي أحد الحوائط‮: ‬هذه اللوحات تم استقدامها من مساجد،‮ ‬وكانت حالتها متهالكة،‮ ‬وتولي قسم الترميم إعادة الحياة إليها مرة أخري،‮ ‬وكما تري فإن الألوان براقة كأن الفنانين انتهوا من لوحاتهم حالا‮!‬
كما‮ ‬يشير إلي مخطوط ضخم موضوع علي منضدة في منتصف المكان قائلا‮: ‬إنه مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه،‮ ‬وهو أحد المصاحف الستة التي تم نسخها في عصره وتم إرسال أربعة منها إلي الأمصار وبقي اثنان بالمدينة،‮ ‬وهذا المخطوط كان محفوظا‮ ‬بمسجد الإمام الحسين رضي الله عنه،‮ ‬وعدد أوراقه‮ ‬المصنوعة من جلد الغزال‮ ‬1087‮ ‬من القطع الكبير،‮ ‬ولون مداده بني داكن،‮ ‬والفواصل بين الصور ملونة،‮ ‬ونوع الخط كوفي بسيط‮ ‬يرجع إلي القرن الأول الهجري‮.‬
وقال إن المكتبة تخضع لنظام دقيق عبر عدد من الأقسام‮: ‬أولا‮ ‬قسم التسجيل والإعداد الفني للمخطوطات،‮ ‬ومهمته تسجيل ما‮ ‬يتم نقله إلي المكتبة من مخطوطات‮. ‬
ثانيا‮ ‬قسم الحاسب الآلي ويتولي تحويل استمارات الفهرسة إلي صور‮ ‬يتم تخزينها علي الكمبيوتر ونقلها بعد ذلك علي سيديهات‮. ‬
ثالثا‮ ‬قسم التصوير الرقمي ويقوم بتصوير المخطوطات و إجراء العمليات الفنية اللازمة لها كال‮ ‬photo shop‮ ‬وإضافة العلامة المائية وترقيمها ونقلها أيضا‮ ‬علي سيديهات،‮ ‬كما‮ ‬يقوم بربط نصوص المخطوطات باستمارات الفهرسة التي تم إعدادها‮ ‬لها من خلال برنامج خاص بالمكتبة‮. ‬
رابعا‮ ‬قسم الترميم والمعالجة ومهمته القيام بعملية تعقيم المخطوطات،‮ ‬وعمليات الترميم والصيانة الشاملة‮ - ‬داخل المكتبة‮ - ‬ومن ثم تحديد الطريقة المثلي لعملية الحفظ والتخزين العلمية باستخدام أحدث الأجهزة في هذا المجال‮. ‬
خامسا‮ ‬قسم خدمات المعلومات ويتم من خلاله تقديم كافة خدمات الاطلاع الداخلي علي المخطوطات وفقا‮ ‬للنظام الآلي الخاص بالمكتبة،‮ ‬كما‮ ‬يتم تيسير كافة إجراءات البحث من خلال الفهارس وإرشاد المستفيدين إلي طريقة استخدام تلك الفهارس‮..‬
‮ ‬وأشار إلي أن مجموعات المكتبة تضم كثيرا‮ ‬من نوادر ونفائس المخطوطات منها نسخ أصلية كتبت بأيدي مؤلفيها ومنها ما تمت قراءته علي المؤلف إلي جانب مخطوطات تم الانتهاء منها في حياة مؤلفيها ومخطوطات تمت كتابتها في زمن قريب جدا‮ ‬من زمن المؤلف ونسخ انتهي العمل منها منذ أكثر من ستمائة سنة وسبع مائة سنة وثماني مائة سنة أو أكثر،‮ ‬وهذه كثيرة إلي جانب مجموعة من المصاحف التي أوقفها‮ ‬الأمراء والسلاطين علي الجوامع بالإضافة إلي المصاحف ذات الزخارف والحليات والألوان المبهجة‮.‬
وأمثلة لهذه النوادر‮ "‬اختلاف علماء الأمصار‮" ‬وهو كتاب في الفقه الإسلامي ألفه أبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة‮ ‬310ه،‮ ‬وتوجد منه نسخة من المجلدين الأول والثالث،‮ ‬قرئت علي المؤلف سنة‮ ‬294ه ومعني هذا أنه تم نسخها قبل هذا التاريخ‮.‬
ومن مخطوطات المكتبة أيضا‮ ‬نسخ أصلية كتبها مؤلفوها بأيديهم،‮ ‬منها‮: "‬ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح‮" ‬وهو كتاب في الفقه الشافعي ألفه تاج الدين السبكي وكتبه بخطه في ربيع الأول من السنة التي توفي فيها وهي سنة‮ ‬771ه‮. ‬و"شرح ألفية العراقي‮" ‬في أصول الحديث لعبدالرحيم بن الحسين بن عبدالرحمن العراقي المتوفي سنة‮ ‬806ه‮. ‬نسخة أتم المؤلف كتابتها في شهر رمضان سنة‮ ‬771ه‮. ‬و"الفوائد الضيائية في حل مشكلات الكافية‮" ‬وهو شرح لكافية ابن الحاجب في النحو،‮ ‬ألفه عبدالرحمن أحمد الجامي سنة‮ ‬898ه،‮ ‬وكتبه بخطه في شهر رمضان سنة‮ ‬897ه‮. ‬و"إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح‮" ‬رقم‮ (‬346‮). ‬وهو كتاب في الفقه الحنفي،‮ ‬ألف المتن والشرح حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي الحنفي الوفائي المتوفي سنة‮ ‬1069ه،‮ ‬وفرغ‮ ‬المؤلف من تبييض هذه النسخة الشارحة في ربيع الأول سنة‮ ‬1046ه‮. ‬و"مرقي الوصول إلي معني الأصولي والأصول‮" ‬وهو رسالة في أصول الفقه لمحمد بن أحمد بن حسن بن عبدالكريم الخالدي الشافعي المشهور بابن الجوهري الصغير‮ (‬1151‮-‬1215ه‮) ‬أتم المؤلف تبييضها في شهر رجب سنة‮ ‬1183ه‮. ‬و"نزهة المشتاق فيما‮ ‬يتعلق بأحوال العشاق‮" ‬وهي رسالة صغيرة‮ ‬ألفها محمد بن إبراهيم الإبراشي المتوفي بعد سنة‮ ‬1250ه وفرغ‮ ‬من تبييضها في آخر صفر سنة‮ ‬1231ه‮. ‬و"مجموع في العقائد‮ ‬يبدأ بالقصيدة اللامية في العقائد الإسلامية‮" ‬المعروفة ب‮" ‬منن الرحمن في عقائد الإيمان‮" ‬وهي من تأليف محمد الغريبي بن إسماعيل‮. ‬والنسخة كتبها المؤلف بخط كبير مضبوط بالشكل في‮ ‬غرة المحرم سنة‮ ‬1276ه،‮ ‬يليها‮ "‬اعتقاد الفرقة الناجية‮" ‬لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني المتوفي سنة‮ ‬728ه،‮ ‬وهي نسخة تمت قراءتها علي المؤلف في ربيع الأول سنة‮ ‬715ه‮. ‬ويليها الرسالة الثالثة تقرير دلائل التوحيد مؤلفها أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن تيمية الحراني المتوفي سنة‮ ‬728ه،‮ ‬وهي نسخة كتبت سنة‮ ‬715ه في حياة مؤلفها‮. ‬و"شرح اللفظ الوجيز فيما‮ ‬يقدم علي مؤنة التجهيز‮" ‬وهو كتاب في الفقه الشافعي ألفه حسن بن محمد بن أيوب بن محمد بن حسين المعروف بالشريف النسابة المتوفي سنة‮ ‬866ه،‮ ‬والنسخة التي تقتنيها المكتبة كتببها عبدالسلام بن عبدالرحمن بن عثمان الشافعي سنة‮ ‬860ه،‮ ‬ومجموع من تأليف أبي السعود العمادي سنة‮ ‬982ه،‮ ‬وتاريخ نسخه سنة‮ ‬978ه‮.‬


حسن عبد الموجود


مجلة الرسالة‮:‬
أفق ليبرالي اتسع لكل التيارات
أظن أن مجلة الرسالة التي أنشأها الأديب والباحث أحمد حسن الزيات في عام ‮٢٣٩١‬،‮ ‬لعبت الدور الرئيسي في تنشيط الحياة الأدبية والثقافية والفكرية،‮ ‬في مرحلة أظنها كانت خطيرة وحساسة وحرجة،‮ ‬فتلك المرحلة ارتفع فيها الغليان السياسي والفكري والثقافي إلي أقصي صوره،‮ ‬ويكفي أن يذكر المرء فقط محطات بارزة أصبحت علامات في التاريخ المصري،‮ ‬وجري فيها وحولها صراع،‮ ‬منذ معاهدة ‮٦٣‬،‮ ‬والحريات المنقوصة دوما،‮ ‬ثم حادث ‮٤ ‬فبراير ‮٢٤٩١‬،‮ ‬عندما أتت حكومة الوفد علي دبابات الانجليز،‮ ‬وأحداث عام ‮٦٤٩١‬،‮ ‬والمظاهرات الكبري التي أدت إلي فتح كوبري عباس،‮ ‬هذه الواقعة التي مازالت علامة علي البعد الفاشي والهمجي الذي تسلكه قوي الطغيان،‮ ‬ثم حرب ‮٨٤٩١ ‬واحتلال فلسطين،‮ ‬ثم المقاومة الشعبية في عام ‮١٥٩١‬،‮ ‬واستبسالها العالي،‮ ‬ثم حريق القاهرة الضخم في ‮٦٢ ‬يناير ‮٢٥٩١‬،‮ ‬وتوج كل هذا بالحركة المباركة في ‮٣٢ ‬يوليو ‮٢٥٩١‬،‮ ‬وتحول هذه الحركة إلي ثورة،‮ ‬قادها الضباط الأحرار،‮ ‬وطردوا الملك فاروق،‮ ‬وتقلدوا الحكم بعد ذلك،‮ ‬وسنوا قوانين ومباديء لتحرير البلاد من كافة أنواع الظلم والطغيان‮.‬
هذه محطات بارزة،‮ ‬بالطبع فبين كل محطة وأخري،‮ ‬كانت هناك احداث أخري تمور‮.. ‬وعلي مستوي الثقافة والأدب،‮ ‬يكفي القول‮: ‬إن هذه الفترة ازدحمت بكتابات وأقلام كبيرة،‮ ‬ومازالت هذه الكتابات مؤثرة حتي الآن،‮ ‬يكفي أن نذكر بعض هذه الأقلام،‮ ‬مثل عباس محمود العقاد،‮ ‬وتوفيق الحكيم،‮ ‬وطه حسين،‮ ‬وابراهيم عبدالقادر المازني،‮ ‬ومحمود تيمور،‮ ‬وسلامة مرسي،‮ ‬ونجيب محفوظ،‮ ‬ومحمد مندور،‮ ‬وأحمد أمين،‮ ‬ومحمد زكي عبدالقادر،‮ ‬وأنور المعداوي،‮ ‬ونقولا الحداد،‮ ‬ومحمود حسن اسماعيل،‮ ‬وعلي محمود طه،‮ ‬وابراهيم ناجي،‮ ‬وأحمد زكي أبوشادي،‮ ‬وسيد قطب،‮ ‬وفكري أباظة،‮ ‬وعزيز فهمي‮.. ‬وغيرهم‮.‬
‮>>>‬
ولو أردنا أن نسرد أسماء أخري،‮ ‬فلن ننتهي،‮ ‬فالمرحلة كانت زاخرة،‮ ‬وممتلئة،‮ ‬وغنية،‮ ‬وكل هؤلاء السالف ذكرهم،‮ ‬وغيرهم،‮ ‬كتبوا في الرسالة،‮ ‬التي فتحت أبوابها بكل أريحية للكبار،‮ ‬وللذين مازالوا في بداية الطريق،‮ ‬ولكنهم أجادوا،‮ ‬وطرحوا افكارا‮ ‬أو ابداعات جيدة‮.. ‬وبالتالي أصبحوا من كتاب الرسالة مثل محمود حسن اسماعيل،‮ ‬وصالح جودت،‮ ‬وسيد قطب،‮ ‬وأنور المعداوي،‮ ‬وعباس خضر،‮ ‬وهذان الأخيران لم يصبحا من كتاب الرسالة فقط،‮ ‬بل أصبحا يسيران أمرها في‮ ‬غياب صاحبها وقائدها أحمد حسن الزيات،‮ ‬ولهما صولات وجولات واكتشافات ومعارك،‮ ‬مع كل أقطاب الأدب والفكر والثقافة،‮ ‬وأظن أن لكل أديب كتب في مجلة‮ »‬الرسالة‮« ‬في ذلك الوقت قصة،‮ ‬وحكاية‮.. ‬تقريبا كل الحكايات متشابهة‮.. ‬فكل الذين كتبوا‮.. ‬كانوا شبابا،‮ ‬ذهبوا إلي هناك،‮ ‬وتركوا ابداعاتهم وكتاباتهم،‮ ‬وقرأوها بعد منشورة تحت لقب‮ »‬الأستاذ‮« ‬أو‮ »‬الأديب‮«.. ‬ولو حدث هذا‮.. ‬سيعني ذلك أن الكاتب أو الشاعر قد تم الاعتراف به،‮ ‬ومن يمر اسمه في مجلة الرسالة،‮ ‬يستطيع أن ينشر في بقية المطبوعات الأخري،‮ ‬المنافسة وغير المنافسة،‮ ‬مثل مجلة‮ »‬الثقافة‮« ‬التي كان يصدرها‮ »‬أحمد أمين‮«‬،‮ ‬ورغم أن‮ »‬الرسالة‮« ‬نشأت وانبثقت عن لجنة التأليف والترجمة والنشر عام ‮٢٣٩١‬،‮ ‬إلا انها انفصلت واستقلت فيما بعد،‮ ‬وأزعم أن هذه الفترة كانت زاخرة بمجلات كثيرة،‮ ‬منها‮ »‬المجلة الجديدة‮« ‬لسلامة موسي،‮ ‬و»مجلتي‮« ‬لأحمد الصاوي محمد،‮ ‬و»أبوللو‮« ‬لجماعة أبوللو‮.. ‬ولكن‮ »‬الرسالة‮« ‬كانت هي المجلة التي تتسم بالرفعة والشمول،‮ ‬واتساع ضفافها إلي تيارات عديدة‮.. ‬وشهدت معارك كبيرة وواسعة‮.. ‬شارك فيها أساطين الأدب آنذاك ‮ ‬،‮ ‬وكان أحمد حسن الزيات يتمتع بعقلية مستنيرة،‮ ‬وأفق طليعي،‮ ‬رغم رصانة ثقافته‮.‬
‮>>>‬
‮ ‬وفي مقال له تحت عنوان‮ »‬العبد‮« ‬يتحدث عن المظاهر الكاذبة التي علقت بالمجتمع،‮ ‬ويطالب‮ ‬ بقوة بخروج المرأة فيكتب في عام ‮٣٣٩١: (‬كرهنا الدور لاحتجاب المرأة،‮ ‬وهجرنا الأندية لغياب المرأة،‮ ‬وسئمنا الملاهي لبعد‮ ‬المرأة،‮ ‬وأصبحنا كالسمك في الماء،‮ ‬نحيا حياة الهيام والتشرد‮... ‬فإذا لم تصبح المرأة‮ ‬في البهو عضو المجلس،‮ ‬وعلي الطعام زهرة المائدة،‮ ‬وفي النادي روح الحديث،‮ ‬وفي الحفل مجمع الأفئدة فهيمات أن يكون لنا عيد صحيح،‮ ‬ومجتمع مهذب،‮ ‬وحياة طيبة،‮ ‬وأسرة سعيدة‮!.. ‬هذه كلمات بسيطة،‮ ‬من رجل علامة،‮ ‬ترجم لنا الام فرتر لجوتة،‮ ‬وغيرها‮.. ‬وأدار وقاد مجلة،‮ ‬لم تحظ الحياة الثقافية العربية من قبل أو من بعد بمثلها‮.. ‬واستطاع أن‮ ‬يجمع فيها الكبار والمبتدئين،‮ ‬والداني الذي يكتب من مصر،‮ ‬والقاصي الذي يكتب من أي بلد عربي،‮ ‬ويتابع الأحداث في المحيط القريب،‮ ‬والأحداث البعيدة العالمية،‮ ‬ولو طالعنا علي سبيل المثال احد الاعداد‮.. ‬سنجد ان العدد ‮٠٨١ ‬عام ‮٦٣٩١‬،‮ ‬ينطوي علي مقالات لأحمد حسن الزيات،‮ ‬ومصطفي صادق الرافعي،‮ ‬ثم مقال عن‮ »‬مدينة سالزبورج‮«‬،‮ ‬ومقال لاسماعيل مظهر،‮ ‬وبعض مقالات أخري‮.. ‬وهناك وجبة دسمة من الاخبار العالمية،‮ ‬فهناك متابعة فورية لمثل هذه الأخبار أو الأحداث‮.. ‬سنقرأ عن قانون الصحافة الجديد في فرنسا،‮ ‬ومتابعة لرحيل الكاتب الايطالي لويس بيراندللو‮..‬،‮ ‬وهناك رسائل محلية تصل‮ ‬من المحافظات‮.‬
‮>>>‬
وسنجد أن قطع المجلة مريح،‮ ‬وطباعتها جيدة،‮ ‬واخراجها الفني كان مناسبا للقراءة أنذاك‮... ‬وعلي صفحات مجلة الرسالة‮.. ‬قرأنا مقالات كثيرة لسيد قطب‮. ‬أظنها لم تجمع في كتب،‮ ‬مثل مقالاته المسلسلة تحت عنوان‮: »‬هل الأدب قد مات‮«.. ‬ثم عناوين فرعية مثل‮: (‬الدولة تخنق الأدب‮).. ‬ففي ‮٠٣ ‬يونيو ‮١٥٩١ ‬يكتب قطب‮: (‬قبل أن تولد تلك المخلوقة الهزيلة المفككة المسماة‮: ‬جامعة الدول العربية،‮ ‬كانت هناك جامعة ضخمة قوية راسخة للأمة العربية خلفتها الأقلام‮: ‬أقلام الأدباء والشعراء والكتاب والمفكرين والعلماء‮). ‬ويسرد قطب قصة الجامعة‮.. ‬فيقول‮: (‬ظلت جامعة الدول العربية،‮ ‬تتسكع وتتلكع،‮ ‬وظلت تجتمع لتنفض،‮ ‬وتنفض لتجتمع،‮ ‬والأمة العربية تسمع جعجعة وتري طحنا،‮ ‬ونري المؤتمرات ولاتجد وراءها عملا،‮ ‬بينما جامعة الفكر والقلم تؤدي دورها،‮ ‬وتقوم بواجبها،‮ ‬والوعي العربي والاسلامي في أقطار العرب جميعا‮).. ‬وهنا كان سيد قطب يدق ناقوس الخطر حول المؤسسات الدولية التي تنشأ،‮ ‬فتقلص النشاط الأهلي‮. ‬وأظن ذلك هو ما يجري الآن،‮ ‬الصراع بين مؤسسات الدولة،‮ ‬ومؤسسات المجتمع المدني،‮ ‬رغم عدم تساوي الاثنتين في التمويل والهيمنة والسلطة‮.. ‬وأري أن هذا المقال صالح للنشر الآن‮.. ‬لبيان الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها المقال‮..‬
يبقي أن أقول إن طه حسين كان يكتب مقالاته التي جمعها في كتب فيما بعد،‮ ‬ونشر روايته‮ »‬أديب‮« ‬مسلسلة في‮ »‬المجلة‮« ‬كما أن أحمد أمين نشر‮ »‬ضحي الاسلام‮« ‬وسلسلة مقالات حول التجديد في الأدب في المجلة‮..‬
توقفت المجلة بالطبع بعد ثورة يوليو ‮٢٥٩١‬،‮ ‬واستبدلتها الثورة بمجلة‮ »‬الرسالة الجديدة‮« ‬التي صدرت في ‮٤٥٩١‬،‮ ‬ثم توقفت مرة أخري،‮ ‬وعادت مجلة الرسالة الأصلية في أوائل الستينيات تحت اشراف أحمد حسن الزيات أيضا ،‮ ‬ولكن الزمن كان قد تغير،‮ ‬والأمور قد اختلفت،‮ ‬فكانت ضعيفة،‮ ‬وخضعت لسيطرة الدولة،‮ ‬وضاق أفقها كثيرا،‮ ‬وتوقفت لعدم جدواها،‮ ‬ولكن يبقي أنها انجزت عشرين عاما من ‮٢٣٩١ ‬حتي ‮٢٥٩١‬،‮ ‬من الرقي والارتفاع،‮ ‬وكانت مثالا ثقافيا لليبرالية المصرية الحقيقية‮.‬


شعبان يوسف


من جونكور إلي فيمينا‮:‬
الجوائز تشعل الموسم الأدبي في فرنسا
بمجرد أن بدأ الموسم الأدبي الفرنسي لهذا العام‮ ‬2008،‮ ‬ظهرت القوائم الأولي التي تضم أهم الأعمال الأدبية المرشحة لحصد الجوائز‮ .‬
واجتذبت دور النشر هذه الأعمال علي أمل أن تحظي إحدي الروايات الصادرة منها بجائزة‮ "‬جونكور"وهي أهم وأرقي جائزة أدبية في فرنسا والتي تمنح الكاتب الحاصل عليها شهرة بالغة،كما تمنح دار النشرالتي أصدرت الكتاب الفائز فرصة لمبيعات هائلة‮.‬
فلم يكن‮" ‬لوران كلوديه‮" ‬روائيا معروفا حتي2004عندما حصل مع دار النشر"أكت سود"علي أول‮ "‬جونكور‮"‬،عندها ظهر اسمه علي قائمة أفضل المبيعات،‮ ‬فهذه الجائزة تسلط الأضواء علي الكاتب وتجعله يقدم أفضل ما لديه فيستمر في النجاح‮.‬
وما بين جوائز‮ "‬جونكور"و"فيمينا"و"رينودو و"ميديسيس"نجد أعمالا كثيرة تتكرر في قوائم الترشيح لأن الجوائز تختار أحيانا نفس الأعمال لنجد عملا واحدا في أكثر من قائمة هذا هو الحال عند‮ "‬سليم باشي‮" ‬الذي قدم في هذا الموسم"صمت محمد‮" ‬عن دار نشر‮ "‬جاليمار‮" ‬فعمله مرشح لجائزة‮ "‬جونكور"و"رينودو"وهو كاتب جزائري،‮ ‬لم يحصل علي جوائز من قبل ولكن رواياته السابقة حظيت بنجاح كبير‮ . ‬ويروي سيرة للرسول محمد ويجمع بين الأحداث التاريخية والمتخيل الروائي فهي قصة حياة الرسول بوصفه زعيم سياسي له استراتيجية حربية‮. ‬ويتشابه وضع باشي مع‮ "‬كاترين كيوسيه‮" ‬المرشحة لجائزتي‮ "‬جونكور و"ميديسيس"عن روايتها‮ "‬مستقبل لامع‮" ‬دار نشر‮ "‬جاليمار"وأيضا"كانت أرضنا‮" ‬لماتيوه بليزي الصادرة عن دار"ألبان ميشيل"و"حلم ماشيافال‮" ‬لكريستوف باتاي"عن دار"جراسيه"و"عبور الموزمبيق في الزمن الهاديْ‮ ‬ل"باتريس بليات"عن دار‮ "‬سوي"وأيضا"هنا حيث النمور في بيوتهم"لجون بستيار‮"‬
فهؤلاء الكتاب مرشحون للجوائز الكبري أما عن‮ "‬ميشل لوبريس‮" ‬وروايته"جمال العالم"عن دار‮ "‬جراسيه"فهي مرشحة لثلاث جوائز‮:"‬جونكور‮" ‬و"ميديسيس‮" ‬و"فيمينا"وأوليفييه رولان"وروايته‮ "‬صياد الأسود‮" ‬مرشحة لجائزتي"جونكور‮" ‬و"رينودو"وتأتي‮ "‬كاترين مييه‮"- ‬التي باعت ملايين‮ ‬
النسخ عبر العالم من روايتين سابقتين‮- ‬بروايتها الثالثة‮ "‬يوم من المعاناه"والتي ربما تحصل علي‮ "‬جونكور"أو"فيمينا‮" ‬أو الاثنين معا‮.‬
ومن الملاحظ هذا العام أن الكتاب الفرنسيين متأثرون بعالم الحيوان،‮ ‬فيستلهمون السافانا الأفريقية في كتاباتهم‮."‬جون ماري دوروبلس‮" ‬يكتب:هنا حيث النمور في بيوتهم‮" ‬و"كيوسات فيناس‮" ‬تكتب"سنة الثعلب"وأوليفييه رولان يكتب‮: "‬صياد الأسود‮".‬
ومفاجأة هذا الموسم التي أثارت خريف‮ ‬2008‮: ‬كاتبان من الشباب لم تتعد أعمارهم السابعة والعشرين عاما أجريت معهما لقاءات وأحاديث في التليفزيون والجرائد والمكتبات الفرنسية،‮ ‬وهما يتنافسان علي أكبر الجوائز‮. ‬أصدر كل منهما‮ ‬روايته عن دار‮ "‬جاليمار"ولديهما‮ ‬اسم العائلة ذاته ولكن أخذ أحدهم اسم عائلة الأم تجنبا للخلط‮. ‬نتحدث عن‮:"‬تريستون جارسيا"و"جون بابتيست دل أمو"رشحت رواية الأول‮ "‬أفضل‮ ‬ما لدي‮ ‬
الإنسان"لجائزتي‮:"‬ميديسيس"و"رينودو‮"‬
ورشحت رواية الثاني‮:"‬تربية عاطفية"لجائزتي"جونكور"و"ميديسيس‮" ‬بعد حصولها علي جائزة‮ "‬لوران بونيلي"سبتمبر‮ ‬2008‮ ‬وهي جائزة حديثة بدأت العام الماضي،‮ ‬وقيمتها‮ ‬3000‮ ‬يورو‮. ‬وقد أشاد"برنار بيفوت"عضو أكاديمية‮ "‬جونكور"بصاحب"تربية عاطفية"قائلا‮: ‬لديه قدرة هائلة في السيطرة علي الأسلوب وصبر شديد في الحكي ووصف دقيق مكثف مما يجعله من كتٌاب الصف الأول‮. ‬وبذلك تكون المنافسة شديدة بين المبدعين في دار النشر نفسها"جاليمار"التي تحتل نصيب الأسد هذا العام في نشر الأعمال المرشحة لجوائز هذا الخريف‮.‬
وتدور أحداث رواية‮ "‬تربية عاطفية‮" ‬في باريس عام‮ ‬1760‮ ‬أي قبيل قيام الثورة الفرنسية وتتحدث عن‮ "‬جاسبار‮" ‬شاب بلا فضيلة أو ضمير،‮ ‬عربيد يترك هدوء بلدته آتيا إلي باريس،‮ ‬يتردد علي الصالونات الأدبية ويسخر من كل التقاليد والأخلاقيات أما رواية‮ "‬تريستون جارسيا‮" "‬أفضل ما لدي الإنسان‮" ‬فترسم لوحة للحياة في ثمانينيات القرن العشرين‮.‬

إنجي السعدني

 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم