|
|
| السنة - | 795 | ه - العدد | 1429 | شوال | من | 5 | - م | 2008 | أكتوبر | من | 5 | الأحد |
|
 |
| بتوقيت القاهرة |
 |
11:51:39 AM |
 |
الساعة - |
 |
10/6/2006 |
 |
آخر تحديث يوم |
|
| شرق وغرب |
 |
|
|
وي وي
رائد أدب التحقيقات الصيني يرحل
/د.حسانين فهمي حسين ترجمة
رحل أيضا الأسبوع الماضي بالمستشفي العام لجيش التحرير الصيني ببكين الكاتب الصيني ورائد أدب التحقيقات وي وي عن ثمانية وثمانين عاما . بعد تدهور حالته الصحية حيث كان يعاني من إلتهاب رئوي حاد منذ وقت طويل . وذكر السيد ( لي شين جه ) زوج إبنة الفقيد أن وي وي منذ تدهور صحته ودخوله المستشفي في نوفمبر من العام الماضي كان شديد الإهتمام بالقضايا الإجتماعية التي يشهدها وطنه الصين بما فيها قضايا تسرب المال العام والإختلاس والفساد وغيرها من القضايا الهامة . كما أنه كان دائما ما يردد أمنياته في أن يعم الوئام والعدل والمساواة والسعادة كافة طبقات المجتمع الصيني وألا يكون بين أبناء الصين فقير أو محتاج .
ولد وي وي في 6-3-1920 لأسرة فقيرة بمدينة جينغ جوو مقاطعة خه نان جنوب الصين ، أنضم عام 1938 إلي الحزب الشيوعي الصيني وعمل بعد ذلك بالقسم الإعلامي التابع للحزب كمراسل حربي ، ومنذ عام 1950 حتي 1958 سافرإلي كوريا ثلاث مرات وقضي عدة سنوات في الجبهة الأمامية بين أبطال الجيش التطوعي الصيني . وبعد عودته إلي الصين نشر العديد من المراسلات الأدبية التي كتبها أثناء إقامته في كوريا . نجشر لوي وي الكثير من المؤلفات ما بين روايات طويلة وأعمال نثرية وشعرية ، من بينها عمله الشهير " من هو أحب الناس " الصادر عام 1951 عن صحيفة الشعب اليومية ، والذي تغني فيه بالروح البطولية لأبطال الجيش التطوعي الصيني وعن حبهم للسلام العالمي وعن وطنيتهم . وقد لاقي ذلك العمل ترحيبا وتقديرا كبيرا من الأوساط الأدبية والشعبية في الصين آنذاك . وفي عام 1978 نشر روايته الشهيرة " الشرق " والتي عكست مقاومة العدو الأمريكي ومساندة النضال الكوري ، وحصلت هذه الرواية عام 1983 علي جائزة الأديب والناقد الصيني ماو دون في دورتها الأولي والتي تعد أرفع الجوائز الأدبية داخل الصين . ومن أهم أعماله روايات " الحرب الثورية " ، " العنقاء " ، " شريط الكرة الأرضية الأحمر " ومجموعات شعرية أهمها " مناظرعند الفجر" ، " ورقة الشجرة الحمراء " ، " مختارات من أشعار وي وي " ، ومجموعات نثرية أهمها " من هو أحب الناس " ، " حوار حول ماو تسي تونج " ، بالإضافة إلي رواية لم تكتمل بدأها قبيل دخوله المستشفي تصور واقع الحياة في المجتمع الصيني المعاصر . وقد تم تشييع جثمان الفقيد في 30 -8-2008 وسط مشاركة من أصدقائه وتلامذته من الكتاب الصينيين ووسط تجمع شعبي كبير . حيث شارك في تشييع جثمان الأديب الراحل الكاتبة تييه نينغ رئيسة إتحاد كتاب الصين ، و جين بينغ خوا نائب رئيس إتحاد الكتاب والكتاب جانغ جيان ، قاو خونغ بوا وغيرهم من الكتاب الصينيين .
|
|
|
ذئب ماكيافيلي المّنْسِيٌ
غازي أبو عقل
بين العامين 2001 و 2003 عقد جاك دِرٌِيدا في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية الفرنسية، حلقات بحث عنوانها "البهيمة والعاهل"، موقوفة علي مفهوم السيادة وعلي "الوجوه الحيوانية للسياسة". باشرت مطبوعات GALILÉE نشرّ مجموعة هذه المدونات الضخمة. يعود دِرٌِيدا _ في المقتطفات التي تشكل هذا المقال _ إلي واحد من الفصول "المفتاحية" المدرجة في الكتاب البدعة الذي وضعه نقولا ماكيافيلي في القرن السادس عشر، وأرسي فيه قواعد علم السياسة المعاصرة "الأمير"، كتاب الأقوياء المفضل، أم دليل موجز تقرؤه الشعوب؟
تتّضّمٌّن الترجمةج الفرنسية التي وضعها جان فنسان بيرييه في 1825 لكتاب نقولا ماكيافيلي "الأمير" وفي الفصل الثامن عشر منه "كيف يجب علي الأمراء الالتزام بأقوالهم واحترامها"، وهي مسألة ليس أكثر منها "راهنية" وحضورا، لا تعني احترام اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار ومعاهدات السلام فحسب، بل تعني في الحقيقة، كما كان الأمر دائما، احترام الحكٌام لالتزاماتهم، لأن الاحترام يجشكٌل بنية كل عقد وكل قسّم، أعطوه إلي هيئة أو مؤسسة ما، أو إلي طرفي آخر جدير ومجؤهٌّل ومجخّوٌّل: من قبيل ذلك، احترام أو لا احترام الولايات المتحدة وإسرائيل قرارات هيئة الأمم المتحدة، وكل ما يتصل بهذه القرارات، بما في ذلك احترام الالتزامات التي اتخذتها منظمة الأمم المتحدة بشأن الإرهاب الذي يصفونه "بالدٌّوْلي أو العالمي" _ وهو مفهوم تعتبره الأمم المتحدة نفسها إشكاليا _ والنتائج التي استّخلصّتْها من الموقف الحالي، مع الموافقة التي أّعطتْها إلي الولايات المتحدة لكي تؤمٌن دفاعها المشروع عن نفسها بكل الوسائل التي تعتبرها _ الولايات المتحدة _ وحّدها مجناسِبة.
بيد أن هذه المسألة نفسها تبدو غير منفصلة عن مسألة "الامتياز الخاص بالإنسان"، في الفصل الذي يعالج الكلمة التي يجب علي الأمراء الالتزام بها، ومسألة أن نعرف "كيف يجب علي الأمراء الالتزام بكلمتهم". هذه المسألة المجزدّوّجة، التي تبدو كأنها مسألة واحدة فعلا، قد عولجت بطريقة مثيرة للاهتمام. ستشاهدون الذئبّ يعبر أمامكم، لا الذئب وحده بل خليطا من الحيوانات أيضا.
وجضِعتْ مسألة "ميزة الإنسان" بمعني ما هو خاص به كإنسان في مركز النقاش حول قوة القانون، بين القوة وبين القانون. في هذا الفصل الذي يبدو أكثر فصول الكتاب "ماكيافيلية"، يبدأ ماكيافيلي بقبول "أمر ناجز" (أؤكد علي ناجز): وفاء الأمير بالتزاماته أمر جدير بالثناء فعلا، ينبغي أن نوافق علي استحقاقه هذه الصفة الحميدة. بعد ما يبدو أنه يشبه التنازل ( نعم، هذا حسّن، هذا يستحق الثناء، هذا أمر مجعتّرف به مبدئيا وقانونيا أن يلتزم الأمير بكلمته) يعود ماكيافيلي إلي حقيقة لم يجغادرها أبدا، مآلها كون قلة من الأمراء يلتزمون بما وّعدوا ويحترمون تعهداتهم، بينما يمارس أكثرهم الخداع والمكر والمراوغة، ويحتالون بشكل شبه دائم لكي يتهربوا من تعهداتهم. ذلك أنهم مرغمون فعلا علي التهرٌب.
يقول ماكيافيلي، إننا رأينا أكثرّ الأمراء قوة ولمسْنا أن أولئك الذين غنموا وفازوا قد تفوٌقوا علي الذين اتخذوا من احترام قّسّمهم قاعدة، علي النقيض من أولئك. "ينبغي لكّ إذن أن تعرف وجودّ طريقتين للقتال، واحدة بالقوانين وأخري بالقوة". تّوّجٌّه ماكيافيلي بهذه النصيحة إلي لوران دي ميديشي بمقدار ما تّوّجٌّه بها إلي القرٌاء.
إذن... تارة بالحق والعدالة والوفاء واحترام القوانين والعهود والمواثيق والالتزامات والمؤسسات المشفوع بالقّسّم، وتارة أخري بخيانة العهود وبالكذب ونكْث اليمين وعدم احترام الوعود وباستخدام القوة المجردة، (منطق الأقوي كما في حكايات لافونتين).
من هذا المنطّلق يستخلص ماكيافيلي نتائج غريبة يجب علينا تحليلها عن كثب. خوض المعارك بسلاح القوانين والشرائع (أي بالوفاء بالتعهدات كأمير مخلص صادق يحترم هذه الشرائع)، هو امتياز خاص بالإنسان. إن هذه الكلمات "الامتياز الخاص بالإنسان" وهي دليل كانطي من حيث المبدأ إذا صّح القول: ألاٌ نكْذِب ووجوب ألاٌ نكذب ولا نحنث بالقّسّم، هذا هو الامتياز الخاص بالإنسان وبكرامته.
>>>
الطريقة الثانية هي القتال بالقوة، كما يقول، وهذه طريقة البهائم. لا الإنسان بتاتا بل البهيمة. القوة لا القانون، منطق الأقوي هو ميزة البهيمة خصوصا. بعد هذا "الشٌّوْط" الثاني يجسّجٌل ماكيافيلي "شوطا" ثالثا من الدليل الكانطي، مؤداه أن طريقة القتال الأولي (بالقانون) غير كافية فعلا، لأنها تظل عاجزة. يجب عندئذ اللجوء إلي الثانية. ينبغي للأمير إذن أن يقاتل بالسلاحين، بالقانون وبالقوة. عليه اعتماد سلوك الإنسان والبهيمة. وأنقل عنه هنا "يجب علي الأمير إذن أن يعرف بالمناسبة العمل كبهيمة وكإنسان". عندما يعجز العمل بالقانون (الوفاء للقّسّم إلخ...) ولا يصلح ويصبح ضعيفا جدا، يجب عندئذ سلوك مسلك البهيمة. يجب علي الأمير الإنسان التصرف كما لو كان بهيمة.
"هذا ما عّلٌّمه قجدامي الكجتٌّاب بشكل رمزي عندما حكوا عن أن أخيل وغيره من أبطال العصور القديمة عجهد بهم إلي القِنطور كائن خرافي نصفه إنسان ونصفه فرّس المسّمٌّي شيرون القنطور المثقف والكريم الذي كان معّلٌم أخيل لكي يغذيهم ويريبهم. من هنا بالفعل، وبواسطة هذا المعلٌم الذي نصفه بشري ونصفه بهيمة، أرادوا التعبير عن نواياهم بأن الأمير يجب عليه أن يكون، نوع ما، ذو طبيعتين، وأن إحداهما ينبغي أن تتلقي المساندة من الأخري".
لا يجلح ماكيافيلي علي الجزء الإنساني لهذا الأمير القنطور، لهذا العاهل القنطور وحواريه، هذا الأمير الذي يجب عليه أن يكون إنسانا وبهيمة، فهو يجفضٌل التأكيد علي ضرورة كون النصف الحيوان نفسه هجينا غير متجانس، مختلطا ونتيجة (تطعيم) حيوانين اثنين، الأسد والثعلب. لا أن يكون بهيمة واحدة بل بهيمتين في واحدة.
"لأنه لو لم يك إلا أسدا فحسب لما تمكن من رؤية الأفخاخ، ولو كان ثعلبا فقط لما تمكن من الدفاع عن نفسه ضد الذئاب. فهو بحاجة لأن يكون ثعلبا أيضا لمعرفة الأفخاخ واسدا لترويع الذئاب. والذين يجصرٌون علي أن يكونوا هذا أو ذاك فقط ليبرهنون عن سِعة حيلة أو براعة"...
العدو اللدود هنا هو الذئب دائما. البهيمة التي يجب اصطيادها وطردها وقمعها وقتالها هو الذئب. القصد هو الدفاع عن أنفسنا ضد الذئاب. والأكثر أهمية هو ترويعها. ولئن لم يكف الأسد وحده لترويعها، يجب في كل حال، وبفضل براعة الثعلب ترويع الذئاب، وإرهاب الإرهابيين، كما كان يقول شارل فاسكوا وزير داخلية شيراك في زمانه. هذا يعني جعلها تخشي من قوة كامنة غير ظاهرة، قوة أشد هولا وأكثر إثارة للرعب وأكثر وحشية وأكثر خروجا علي القانون أيضا من الذئاب التي تعتبر رموزا للعنف الوحشي.
>>>
لست أرغب بمضاعفة ذكر التجليات المعاصرة الواضحة جدا لتلك الأقوال، وسأكتفي بالتذكير بما كتبه نوعام شومسكي في كتابه عن "الدول المارقة" ROGUE STATES، من أن القيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة STRATCOM (وهي واحدة من عشْر قيادات موحدة في وزارة الدفاع) توصي بتخويف العدو وترويعه، لا بالتهديد بحرب نووية فحسب مع الحرص علي جعلها ماثلة، ولا بالإرهاب البيولوجي، بل بإعطاء العدو صورة عن الولايات المتحدة تقدمها كخصم قادر دائما علي فعل ما يحلو له. كأنه بهيمة قادرة علي الخروج عن أطوارها وفقدان برودة دمها، والكف كدولة عن التصرف عقلانيا، كإنسان عاقل، عندما تكون مصالحها الحيوية في الميزان. (أود التذكير أيضا أن كلمة ROGUE يمكن أن تدل علي الحيوانات التي لا تحترم عادات المجتمع الحيواني وتبقي بمنأي عن جماعتها).
جاء في توجيه القيادة الاستراتيجية: يجب ألاٌ نجظهِر أنفسنا بمظهر "العقلانيين" كثيرا عند تحديد ما هو ثمين وعزيز جدا علي العدو. بكلمة أخري يجب إظهار أنفسنا كالعميان، وأن نوضح مقدرتنا علي أن نكون عميانا وبهائما عندما نحدد الأهداف التي قد نضربها عند العدو، لكي نثير الذعر فيهم ونجعلهم يعتقدون أننا نفعل أي شيء ونتحول إلي مجانين عندما تجلمّس مصالحنا الحيوية. ينبغي التظاهر بكوننا قادرين علي أن نججّنٌّ ونمسي لامنهجيين فاقدي الصواب، أي أن نكون كالحيوان. تقول واحدة من توصيات القيادة الاستراتيجية: الأمر "المؤذي" (IT HURTS) وصفج أنفسنا بتمام العقلانية والدم البارد. "وعلي النقيض من هذا الأذي يكون الأفضل لاستراتيجيتنا إظهار بعض العناصر كأنها "خارج السيطرة"...
هذه الكفاءة في التٌّصّنٌجع والتلفيق والاختلاق، وهذه المقدرة علي الظهور بمظهر خادع، هما ما يجب علي الأمير اكتسابه كي يبدو يتمتع بمزايا الثعلب والأسد. التحوٌل (بمعني القدرة علي المسخ والانسلاخ) هو مّكر وحيلة بشرية، خديعة يمارسها الإنسان الثعلب الذي ينبغي له ألا يتظاهر بكونها خديعة وحيلة. يكمن هنا جوهر الإيهام والخداع، ونسج الحكايات الخرافية أو المظهر الخّدٌّاع، بمعني أن نجعل الأمر كالحقيقة أو الصدق، وأن نجقسِم علي الوفاء، بما سوف يكون دائما شرط الخيانة. يجب علي الأمير أن يكون ثعلبا لا لكي يمكر مثل الثعلب فحسب، بل لكي يتصّنٌّع كونه ما ليس هو وألا يكون ما هو فعلا. إذن، لكي يتظاهر ويوهِم بأنه ليس ثعلبا في حين أنه ثعلب في الحقيقة. سوف يتمكن الأمير من أن يكون بشرا وبهيمة في آن، أسدا وثعلبا، بشرط أن يكون ثعلبا، أو أن يصبح ثعلبا أو مثل الثعلب. بوسع الثعلب وحده التحوٌل بهذه الطريقة ,ان يبدو مشابها للأسد. لا يستطيع الأسد فعل ذلك. يجب علي الثعلب أن يكون ثعلبا بما فيه الكفاية لكي يمثل دور الأسد، ولكي يتوصل إلي _ أنقل هنا عن ماكيافيلي -: "تمويه طبيعة الثعلب هذه". سأقرأ عدة سطور حتي تعرفوا أن ماكيافيلي يخبيء مثالا في رأسه، حين يمتدح بشكل ماكر مخادع أميرا ثعلبا من أمراء عصره:
>>>
"لا ينبغي للأمير الفّطِن الحّذِر إنجاز وعده بتاتا عندما يعود عليه هذا الإنجاز بالضرر، أو لئن تّغيٌرت الأسباب التي جعلته يحزم أمره ويعطي ذلك الوعد بحيث لم تعد الأسباب موجودة: هذا ما يجب التوصية به وتّعلٌمه. لن يكون أمرا حّسّنا لو أن البشر جميعا كانوا خّيٌرين، وبما أنهم خبثاء، ولأنهم، بالتأكيد، لن يلتزموا نحوكّ بكلامهم، فلماذا يجب عليك التمسك بما وعدت به؟ فضلا عن ذلك هل ستّنْفد الأسباب المشروعة في جعبة الأمير من أجل تمويه أسباب النكث بما وعّد؟ بوسعنا، في هذا المجال، إدراج ما لا يجحصي من الأمثلة المعاصرة وذكْر عدد كبير من معاهدات السلام والاتفاقات المتنوعة التي أصبحت بلا جدوي وغير مفيدة، نتيجة لخيانة الأمراء الذين عقدوها وعدم وفائهم بها. بمقدورنا أن نضع تحت أنظاركم كيف أن الذين أحسنوا العمل كالثعلب هم أولئك الذين ازدهروا وأفلحوا أكثر من غيرهم. غير أن ما هو ضروري حتما للوصول إلي هذه النتيجة، هو إتقان تمويه طبيعة الثعلب هذه، والتمكٌن التام من فن التظاهر وفن الإخفاء والتمويه. البشر عميان بما فيه الكفاية، ينقادون بيسر خلف حاجتهم كلما عثر المخادعج الغشٌّاش المضّلٌِل علي من هم علي استعداد للانخداع دائما". ( ... )
هل هناك أية فائدة تججنّي من التذكير بما لا يجحصي من الأمثلة المجستخلّصة من حداثتنا ومن عصرنا، حيث تقترح الدولج الأقوي ذات السيادة وهي تصنع القانون الدوْلي وتجخضِعجه لمصالحها، من أجل أن تصنعّ حدودا تجقيٌد سيادة الدول الأضعف، كما سبق وركٌزّتْ علي هذه الناحية حّنٌّه آرندت ( ... ) ذهبت الدول الأقوي إلي انتهاك القانون الدٌّوْلي أو إلي عدم احترامه، هذا القانون التي أسهمت في تأسيسه، وبالتالي انتهكت مؤسسات هذا القانون الدولي في الوقت نفسه الذي كانت تتهم فيه الدول الأضعف بعدم احترامه وبأنها "دول مارقة" خارجة علي القانون، مقلدة تلك الحيوانات المسماة "ROGUE" التي لا تخضع لأحكام قانون مجتمعها الحيواني نفسه؟ هذه الدول المقتّدرة التي تعطي أسبابا لتسويغ أعمالها وتعطي نفسها الحق في صنع تلك الأسباب، لكنها ليست علي حق غالبا، إلا أنها تنال من حقوق الدول الأقل اقتدارا. إنها تنفجر وتثور ثائرتها وتطلق العنان لأهوائها كأنها بهائم حشية شرسة تمكٌن منها السٌجعار...
|
|
|
»هنود« بين الماضي والحاضر الأمريكي
/د. بثينة أحمد أبوالحمد أستاذ الأدب الانجليزي - جامعة الأزهر
شدتني مسرحية قرأتها للكاتب الأمريكي المعاصر ارثر كوبيت اسمها »هنود« عرضت لأول مرة علي مسرح رويال شكسبير لندن في يوليو ٨٦٩١ ونشرت عام ٩٦٩١، فالمسرحية كتبت منذ خمسة وثلاثين عاما ولكنها في حد ذاتها اعمق من كل الدراسات النظرية عن السياسية الامريكية سواء في الماضي او الحاضر، فهي في مجملها تحمل رسالة ادانة الي كل من تسول له نفسه سلب ارض أو تدمير حياة وحضارة الاخر. وتمثل تلك المسرحية صرخة غاضبة تدين المعاملة الوحشية التي لاقاها سكان امريكا الاصليين علي يد الدخيل الابيض وتربط بين ماحدث مع الهنود الحمر وما حدث في فيتنام، وماشدني اليها ذلك التشابه الكبير في مضمونها مع مايدور اليوم علي الساحة العربية من أحداث.
يحكي ارثر كوبيت في حوار له مع الناقد المسرحي الامريكي جون لار - نشر بكامله في طبعة باتام لمسرحية هنود - كيف جاءته فكرة هذه المسرحية، فيقول: انه في مارس ٦٦٩١ بينما كان يستمع لسيمفونية يصدم فيها الايقاع الهادئ بايقاع مارش عسكري وهو يقرأ تصريحا للجنرال وليام ويستمور لاند قائد القوات الامريكية في فيتنام معبرا فهي عن اسفه لمذبحة ارتكبتها قواته ضد مدنيين في فيتنام، قائلا: لقد قتل اناس كثيرون، هذه هذي الحرب، ان قلوبنا قد انخلعت لما حدث لهؤلاء الضحايا الابرياء، لكن الحرب ليست لعبة، انها صعبة وتتطلب قرارات صعبة، وعلي المدي البعيد اعتقد ان ماحدث سوف تكون له تبريراته، حينئذ استطرد كوبيت مخاطبا نفسه: »لا، ان قلوبكم لم تنخلع لما حدث لهؤلاء الضحايا الابرياء، لان هناك خطأ ما، في نفس الوقت قفزت الي مخيلة كوبيت فكرة الهنود الحمر والرجل الابيض وفكر في كتابة مسرحية - كما يقول «تتناول مايحدث عندما تفرض قوة اجتماعية وسياسية ارادتها علي ارادة قوة ادني منها وتختلق مايبرر ذلك، تماما كما فعلنا مع الهنود الحمر، وكما حاولنا ان نفعل مع الفيتناميين، لقد فرضنا ارادتنا عليهم ثم بررنا ذلك اخلاقيا عندما اضفنا علي فعلتنا هذه صبغة ألهيه زاعمين ان مانفعله اخلاقي وبخدم المصلحة العامة، وقد بدا لي انه من الممكن ان يفهم الشر علي انه خير، وبدأ كوبيت بالفعل كتابة مسرحيته »هنود«.
>>>
والمسرحية ليست وثائقية او تاريخية انما يريد الكاتب من خلالها ان يعقد موازنة بين الماضي والحاضر والامريكي. وعلي ذلك فهي تصور الدوافع المتناقضة في سياسة امريكا تجاه الهنود الحمر، فهي تدعي السعي لمساعدتهم وتعمل في نفس الوقت علي ابادتهم وهنا يكمن التشابه بين مافعله الامريكيون مع الهنود الحمر وماحدث في فيتنام، وقد كتبت المسرحية وقت الحرب علي فيتنام فاراد بها كوبيت كما يقول في حواره، ان يفضح التورط الماجن لأمريكا في فيتنام، فهي تصور معاناة الهنود الحمر ومدي الدمار الذي اصاب حياتهم، واراد ايضا ان يعقد موازنة بين ماحدث في الماضي ومايحدث في الحاضر وان يتحدي تلك الفوضي من التصريحات المغايرة للحقيقة والتبريرات الواهية للحرب علي فيتنام، فيقول كوبيت: ان القول اننا نقاتل من اجل حرية الفيتناميين هو في حد ذاته امر مضحك، فعندما تفرض حكومة نفسها علي بلد اخر فان ذلك يعد قمعا للحرية. لذا فان هناك تطابقا محلوظا بين الموقف في فيتنام والموقف مع الهنود.
وتصور المسرحية في اطار درامي حرب الابادة التي قام بها الامريكيون ضد الهنود الحمر، كيف ابادوا ماشيتهم مصدر غذائهم ولباسهم ليموتوا جوعا وبردا، كيف اعتبروهم عدوا يجب القضاء عليه، فنقلوا اليهم عمدا امراضا فتاكة لم يعرفوها في أغطية ومياه ملوثة ولم يقدموا لهم الدواء، كيف علموهم شرب الخمر ليثملوا ويصبح الكسل صفتهم، كيف خدعوهم حين قاموا بترجمة المعاهدات معهم بطريقة خاطئة حتي يفقد الهنود القدر الاكبر من الارض، وكيف كانت توقع تلك المعاهدات بعد ان يقدم لهم الامريكيون الخمر كشراب فيوقع الهنود علي مافيه صالح الطرف الاخر غير مدركين مايفعلون، ثم كيف ابادوهم بلا انسانية في اول مذابح جماعية عرفتها البشرية.
>>>
وفي المشهد الاخير من المسرحية يظهر القائد العسكري الذي ذبح الهنود في مقابلة مع الصحافة، وكأنه مؤتمر صحفي اعتدنا ان نراه اليوم بعد كل »انتصار «امريكي، وفي اشارة واضحة إلي مايحدث في فيتنام، من تدمير، يقول الضابط انه تم ابادة كل القبيلة، ثم يسأله الصحفي لقد خسرنا تسعة وعشرين من رجالنا فكم قتلتم من الهنود؟ ويجيب الكولونيل الأمريكي: لقد أبدناهم، ولم نستطع حصر عدد القتلي فقد سقط الجليد وغطي جثثهم، وردا علي السؤال.. لقد أشار بعض الناس الي انتصاركم هذه علي انه مذبحة، فما شعوركم تجاه هذا؟ يرد الكولونيل، هناك دائما اناس يصفوف النصر العظيم علي أنه مذبحة، فهم يفضلون ان يسقط منا الكثيرون قتلي حتي لا تكون مذبحة «ثم يسأله صحفي اخر: الا تعتقد ان الخطوة التي قدمتم عليها كانت صعبة؟ وهنا يضع كوبيت تصريح الجنرال ويستمور لاند السابق ذكره علي لسان القائد العسكري لتلك المذبحة، ثم يحاول القائد تبرير مايحدث قائلا: اذا تقاعسنا في اداء هذا الواجب فقد تستمر المصادمات سنينا مما سيكلف بلدنا الملايين فضلا عن الخسائر في الارواح، وأخيرا يسأله الصحفي: هل تعتقد ان الحرب مع الهنود انتهت؟ يرد الكولونيل، انها أخيرا انتهت وسوف نبدأ تلك المهمة الصعبة وهي اعادة البناء! وكأن المسرحية سيناريو يصور فيتنام بوش وغيرها من المذابح التي ترتكب تحت حماية امريكية، وتنتهي المسرحية بمقولة ذات مغزي لاحد الهنود وهي انه من السهل دفن الموتي ولكن ليس من السهل التخلص منهم!
وجدير بالملاحظة تلك التبريرات التي جاءت علي لسان احد المسئولين عن ابادة الهنود في المسرحية فيقول: لم يعرف محبو الخير كم تكبدنا من مشاق وخسائر في الارواح في محاولة التعامل بالعدل مع الهنود، وكم تحملنا من ممارسات بشعة لهؤلاء الوحوش«.. فهي تبريرات جاءت من المواقع، ويفسر كوبيت تلك التبريرات قائلا: ان مشكلة أمريكا الحقيقية تكمن في تلك المحاولة المستمرة لتجميل تاريخنا، ومحاولة خلق اسطورة نستطيع من خلالها أن نحول الواقع الوقح الي وسيلة شرعية لادراك الآمال والاحلام، فنحن نختلق لانفسنا تاريخا لنبرر العنف وعدم الالتزام بالشرعية.. ان مشكلة فيتنام ما هي الا اعراض لشيء امتدت جذوره في الماضي الامريكي، انه التضليل ، فأنا لا اتصور أن يسمح الأمريكيون للهنود بامتلاك مساحات كبيرة من هذه الارض فيها ذهب ونفط. وما اثارني هو تلك التبريرات لما كان يحدث علي انه كبرياء قومي ومصلحة للجميع، فلم يكن مقبولا ان يقولوا صراحة انه يوجد ذهب ونفط في هذا الارض، لذا نحن في حاجة إليها، فلنأخذها لاننا الاقوي.
>>>
ويقول كوبيت في حواره مع جون لار معلقا علي التشابه الذي يراه بين الموقف الامريكي تجاه الهنود وذلك في فيتنام، »كان الرجل الابيض في الاساس يتعامل مع ثقافة غريبة عليه تماما.. وهذا ما أثر في نفسي وجعلني اري تشابها مع مايحدث في فيتنام . فنحن نرسل جنودنا لفيتنام وهم لا يعرفون شيئا عن هؤلاء الناس، فهم يعتبرون قتل الفيتناميين شيئا سهلا لانهم في نظرهم دون البشر.. فهم ليسوا منا. لقد كان من الصعب علي الرجل الابيض ان يعتبر الهندي انسانا مثله. وهذا متطابق مع فيتنام، ان عدم استيعابنا لموقف الشرقي تجاه الموت، تجاه الحياة، تجاه الدين ، وعدم الاخذ في الاعتبار كم ظل الفيت كونج (المقاومة الفيتنامية) يقاتل وكم يساوي النضال بالنسبة لشعب«. ويعلق كوبيت علي نقل الرجل الابيض امراضا في أغطيه ملوثة ليموت الهنود قائلا: نستطيع ان نقارن بين ذلك وبين استخدام الاسلحة الكيماوية في فيتنام ومانصنعه الان في مجال الاسلحة البيولوجية والجوثومية، لم نكن في حربنا مع الهنود قد صنعنا بعد اسلحة جرثومية، ولكن عندما اكتشفناها عرفنا ماذا نفعل بها!
هذا ما قاله وصوره كوبيت، هذا الاديب الحساس الذي نظر فيما تمارسه بلده من فظائع في حق الشعوب، وتأمل الصور في الصحف وعلي الشاشة، وامتلأ بالاحساس برعب الحرب والدمار، وتابع بجاحة الكذب وتزييف الحقائق وغياب الضمير والتجريد من الوطن والتعصب والعنصرية والغدر والتعذيب، فقد نشر في مسرحيته صورا لتعذيب الاسري في فيتنام واخري للهنود الحمر تماثل تماما مانراه اليوم في سجون العراق وغيرها.. وأخيرا علينا ان ندرك كما ادرك كوبيت انه من المستحيل علي مرتكب تلك الفظائع في حق البشر ان تكون رسالته الحقيقية نشرالحرية والديمقراطية. واترك للقاريء الواعي ان يستفيض في الموازنة بين ماض امريكي صورة كوبيت كانت فيه فيتنام هنود الستينيات من القرن الماضي والحاضر امريكي أصبح فيه العرب والمسلمون هنود هذا العنصر.
|
|
|
|