دليل المواقع الاشتراكات الإعلانات دفتر الزوار United States Mirror Server United Kingdom Mirror Server Egypt Mirror Server
السنة -808ه - العدد1430محرممن7- م2009يناير من4 الأحد
بتوقيت القاهرة 2:38:17 PM الساعة - 1/3/2007 آخر تحديث يوم
      الصفحة الرئيسية
تعليق علي ماجري
الأولوية‮ »‬الآن‮« ‬الحفاظ علي القضية
افتفاصيف

النهاية الثانية لرجل المستحيل‮..‬الخبر الأسوأ في‮ ‬2008‮ ‬لقراء نبيل فاروق‮:‬
هل‮ ‬يعود أدهم صبري علي طريقة شارلوك‮ ‬
حسن عبدالموجود
لفترة طويلة ظلت مقدمة السلسلة البوليسية الأشهر‮ "‬رجل المستحيل‮" ‬ثابتة‮.‬
‮ ‬أدهم صبري رجل مخابرات مصري في الخامسة والثلاثين من عمره،‮ ‬يجرمز إليه بالرمز‮ (‬ن‮-‬1‮)‬،‮ ‬حرف النون يعني أنه من فئة نادرة،‮ ‬وحرف الواحد يعني أنه الأول من نوعه‮..‬إلي نهاية المقدمة التي تؤكد إجادته لعدد من اللغات الحية،‮ ‬وقيادة الطائرات واستخدام جميع الأسلحة بما فيها قاذفات اللهب‮!!‬
فطن نبيل فاروق مؤلف الشخصية إلي أن بطله يكبر في السن،‮ ‬ولم يعد الشيب يغطي فوديه فقط وإنما امتد إلي بقية شعره،‮ ‬كما أنه ترقٌي إلي أكثر من رتبة ولهذا حذف الإشارة إلي سنه من المقدمة‮..‬
كان فاروق يحاول إضفاء نوع من الواقعية والمصداقية علي بطله،‮ ‬وقد استطاع أن يحقٌق ذلك تماما،‮ ‬وكان من الطبيعي بعد عدد رهيب من المغامرات في جميع أرجاء المعمورة وفي مواجهة أعتي الخصوم،‮ ‬وأقوي أجهزة المخابرات أن يشعر البطل بالتعب،‮ ‬ويسعي إلي الراحة‮.‬
ولكن لأنه أدهم صبري اختار أيضا‮ ‬أن يستريح في الميدان،‮ ‬فقد أصبح مشرفا‮ ‬علي تدريب مجموعة من ضباط المخابرات الأكفاء الذين يبدأون حياتهم المهنية،‮ ‬وهو يشارك أحيانا‮ ‬حينما تتأزم المواقف أمامهم،‮ ‬ويصبح‮ -‬مثلما كان دائما‮- ‬البطل المخلص‮!‬
أدهم صبري‮ ‬_معشوق شباب الوطن العربي‮- ‬أصبح مهددا‮ ‬الآن بالابتعاد عن الساحة،‮ ‬لا ساحة المخابرات،‮ ‬ولكن ساحة النشر،‮ ‬فقد حملت أخبار الإنترنت مفاجأة تؤكد أن العدد الأخير‮ (‬160‮) ‬من رجل المستحيل قد صدر بالفعل في منطقة الخليج وتحديدا‮ ‬من دار نشر دايموند بوك الكويتية بعنوان‮ "‬الوداع‮" ‬وسط إشارات عن صدور العدد ذاته عن المؤسسة العربية الحديثة التي شهدت ولادته خلال يناير‮..‬
وقد رفض نبيل فاروق في اتصال مع أخبار الأدب الكشف عن النهاية التي اختارها لأدهم صبري،‮ ‬واكتفي بالتأكيد أن قرار إنهاء السلسلة نهائي هذه المرة،‮ ‬مكتفيا‮ ‬بخمسة وعشرين عاما،‮ ‬ليبدأ مشروعا‮ ‬جديدا‮ ‬يفكر فيه منذ مدة‮.‬
‮ ‬ولا يبدو أن نبيل فاروق يلعب بطريقة آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شارلوك هولمز حينما قرر التخلص من بطله بعد شعوره أنه فاقه شهرة بكثير،‮ ‬فقد أوعز ل"الأستاذ مرياتي‮" ‬زعيم العصابات وأحد ألد أعداء‮ "‬هولمز‮" -‬علي الورق قطعا‮- ‬ليلقي به من فوق حافة شلال‮ "‬ريشنباخ‮" ‬منهيا‮ ‬حياته‮..‬
‮ ‬ولكن القراء أعلنوا‮ ‬غضبهم الشديد بعد مصرع شخصيتهم المحببة وهاجموا‮ "‬آرثر‮" ‬متهمين إياه بالغيرة منه،‮ ‬وهو ما جعله يستجيب لضغوطهم،‮ ‬ويبعث‮ "‬هولمز‮" ‬حيا‮ ‬مرة أخري في قصة هي الأشهر في سلسلة‮ "‬كونان دويل‮" (‬عودة شارلوك هولمز‮) ‬شارحا‮ ‬في مقدمتها باستفاضة كيف نجا‮ "‬هولمز‮" ‬من حادثة الشلال‮!!‬
نبيل فاروق فعل ذلك مع أدهم صبري،‮ ‬ولكن في العدد‮ (‬100‮) ‬من السلسة‮ "‬الضربة القاصمة‮"‬،‮ ‬لا لأنه يشعر بالغيرة منه،‮ ‬ولكن ليثير رد فعل موسع في أوساط القراء،‮ ‬فقد صدر العدد بدون الإشارة إلي العدد القادم من السلسلة مع التأكيد علي موت أدهم،‮ ‬وحبك نهايته بشكل درامي يعجز القراء معه في إيجاد منفذ لخروجه حيا‮ ‬من الموقف‮..‬
وقد نجح نبيل في مخططه،‮ ‬ووصلته آلاف الخطابات التي تسأله عن مصير البطل المحبوب،‮ ‬مع المطالبة بعودته فورا‮ ‬وبدون مناقشة،‮ ‬وقد عاد ليكتب ستين عددا‮ ‬جديدا،‮ ‬لكن القرار هذه المرة مختلف‮.‬

أطعمة‮ ‬
وسجائر ولافتة رحلة إلي فرنسا
أحمد أبو خنيجر




عبر أربعين عاما تكون لدي معرفة جيدة بمعدتي و أمراضها،‮ ‬بعضها معلن و الآخر تدخره لأوقات حرجة،‮ ‬و طوال هذه المدة صارت لدي الحساسية الكافية بتكهن أحوالها،‮ ‬فقد قمت‮ ‬عرضا‮- ‬بتطوير حواس أخري تستطيع إخباري بما يمكن أن تدبره من مقالب،‮ ‬هذه الحواس،‮ ‬و في مقدمتها الشم،‮ ‬أحيانا تتواطأ معها،‮ ‬فيصبح الأمر كارثيا،‮ ‬لذا و إمعانا في الحرص بدأت أضيق علي نفسي فيما أتناوله،‮ ‬خاصة و كما تقول أمي‮- ‬مبررة نحافتي المفرطة‮- ‬أن معدتي ضيقة‮.‬
إذن سافرت لفرنسا و عندي هذه الهواجس،‮ ‬و أيضا جهلي المزدوج‮: ‬اللغة،‮ ‬و معرفة المطبخ الفرنسي‮. ‬و كان عليٌّ‮ ‬أن أجاهد كي أفوت الفرصة علي معدتي حتي لا تضعني في مواضع حرجة،‮ ‬أنا في‮ ‬غني عنها: في كل مرة كانت تأتي قائمة الطعام،‮ ‬أضع يدي علي بطني في محاولة يائسة أن تتركني كي أجرب أصنافا جديدة و مذاقا مختلفا،‮ ‬و رائحة جديدة،‮ ‬لكنها تعلن عبر الرسائل المتبادلة أنها‮ ‬غير موافقة: أنظر للجالسين حولي طالبا العون كي يفسروا لي لوغاريتم القائمة،‮ ‬و فك شفراتها المعقدة،‮ ‬محاولا الاستفهام عما يحتويه كل صنف،‮ ‬و لما كانت المسميات لذيذة و لها وقع و طعم فرنسي،‮ ‬كنت أتحسر علي اللغة التي تعلمتها يوما و تسربت مع الزمن و ندرة الاستخدام‮.‬
في مرة أخطأ محمد القاسمي،‮ ‬و هو جزائري و مقيم بفرنسا،‮ ‬و كان قد رفقنا مترجما في مدينتي لا روشيل و روشفورد،‮ ‬حين قدم الطبق قائلا‮: ‬أمعاء الدجاج‮. ‬و هو طبق من ضمن المقبلات،‮ ‬أي قبل الطبق الرئيسي،‮ ‬و تساءلت مندهشا‮: ‬أمعاء الدجاج‮. ‬فأكد بهزة من رأسه أن نعم،‮ ‬فما كان مني أن صرفتني معدتي إلي نوع أخر،‮ ‬و إلا تسببت لي في فضيحة،‮ ‬كما قالت في رسالتها،‮ ‬و كانت نفسي قد امتعضت و هي تتذكر أمعاء الدجاج و أمي تلقي بها للقط أو الكلاب بعد ذبح الدجاجة و فتح بطنها كي تنظفها جيدا: لكن هذا لم يمنع بعضا من الجالسين أن يطلب أمعاء الدجاج،‮ ‬فقلت في بالي‮: ‬ما علينا‮. ‬و عندما جاءت الأطباق اكتشفنا أن أمعاء الدجاج ما هي إلا كبد و قوانص الدجاج،‮ ‬و التي كنا نتصارع أنا و إخوتي‮ ‬_‮ ‬لما كنا صغارا‮- ‬علي من يفوز بها: بالطبع انتابني الندم،‮ ‬لكن الوقت كان قد فات،‮ ‬و عليٌّ‮ ‬أن أكل من الطبق الذي أمامي‮.‬
رغم كل هذا ظل العيش الفرنسي هو المتعة الحقيقية في كل ما ورد عليٌّ‮ ‬من أنواع،‮ ‬و ذلك بسبب أنه يشبه كثيرا خبز أمي،‮ ‬العيش الشمسي،حين يخرج مع الضحي من الفرن المتوهج،‮ ‬و يترك في الظل كي يبترد قليلا قبل كمره في ماجور أو حلة كبيرة حتي وقت المغرب،‮ ‬يخرج في هذه اللحظة ملدنا و طعمه لا يقاوم،‮ ‬و يمكن الاكتفاء به دون‮ ‬غموس لفرط طعامته: المدهش هو تعدد أنواع الخبز،‮ ‬ما بين طويل،‮ ‬و مدور،‮ ‬أو ملفوف،‮ ‬أبيض و أسمر و بين بين‮.‬
و أنت ماشي‮ ‬في الشارع ستجد محلات كثيرة للأكل،‮ ‬مطاعم من كل نوع،‮ ‬و من مختلف المطابخ،‮ ‬و خصوصا الآسيوية‮: ‬الهندية و الصينية و اليابانية‮. ‬طبعا لا وجود للمطبخ العربي أو المصري‮. ‬فربما بلادنا حتي الآن لا تعرف معني المطبخ،‮ ‬مع أن حياتها كلها مكرسة للطعام و الجري بحثا عنه،‮ ‬المهم ستجد مطاعم كثيرة و مختلفة،‮ ‬بين كل مطعم و الثاني،‮ ‬يوجد مطعم مندس بينهما،‮ ‬و كأن أهل باريس لا يعرفون الأكل داخل البيوت،‮ ‬ربما بسبب العمل طوال اليوم خارج المنزل،‮ ‬و أيضا ستكتشف أن الأكل داخل المطاعم نوع من البهجة و المتعة التي يقدرها الباريسيون تماما،‮ ‬أحاديث و ضحكات و كئوس تقرع‮ ‬يصهلل بها النبيذ،‮ ‬و خروج متقطع للمدخنين أمثالي‮.‬
‮>>>‬
في مرة بينما سائر في الشارع استوقفني مطعم صغير،‮ ‬ما أوقفني تحديدا يافطة صغيرة ملصقة علي الحائط بجوار باب المطعم،‮ ‬مكتوب عليها بالعربية‮: ‬حلال‮. ‬دخلت و أنا أرد السلام‮: ‬السلام عليكم‮. ‬فقال واحد من الواقفين خلف النصبة،‮ ‬و كانوا ثلاثة‮: ‬و عليكم‮. ‬بدا الرد جافا،‮ ‬لكني لم أقلل من ابتهاجي الداخلي،‮ ‬كان المحل يقدم الشاورمة و الفراخ و بعض اللحوم،‮ ‬يقوم الخباز بخبز العيش أمامك،‮ ‬يقطع العجين،‮ ‬و يفرده علي الصاج حتي يستوي،‮ ‬ثم يلفه و يدخله الفرن المخبوء داخل الحائط،‮ ‬طاولات قليلة مرصوصة بعناية عليها جنسيات و ألوان مختلفة من البشر،‮ ‬و إن بدا أغلبهم ممن يتحدثون باللهجات العربية المتعددة،‮ ‬قال واحد‮: ‬إيش تريد؟ نبرة البائع هي الأكثر وضوحا،‮ ‬و أنا لم أكن جائعا،‮ ‬لكني أرغب في جرجرة الكلام،‮ ‬قلت‮: ‬فراخ‮. ‬ثم تلكأت و أنا أقول‮: ‬منين‮! ‬قال دونما اهتمام‮: ‬تونس‮. ‬ثم بنفس النبرة‮: ‬و الأخ‮! ‬لم أمهله‮: ‬مصري‮. ‬وأنا أحاول وضع ابتسامة علي وجهي،‮ ‬فما لبث أن قال ثمن ما طلبته و سألني أن كنت أريد مشروبا‮. ‬و لم يكن من أثر للبيرة أو النبيذ،‮ ‬فقط ثلاجة مليئة بالعلب الصفيح للمشروبات الغازية،‮ ‬قلت شكرا،‮ ‬فقال حين لمح تلجلجي في الوقفة‮: ‬فوت علي جوه أقعد‮. ‬دخلت و جلست أرقب القاعدين يأكلون في صمت،‮ ‬دون بهجة أو متعة،‮ ‬كأنما فقط يزيحون هم الجوع كي يخرجوا للجري في أنحاء باريس الواسعة: أتي الثالث يحمل طبقا خشبيا عليه ربع الفرخة و السلطة الخضراء و العيش و البطاطس المقلية،‮ ‬و وضعها أمامي و مضي دونما كلمة أو ابتسامة‮. ‬
كنت في اليوم قبل الأخير لي بباريس ذهبت للمركز المصري،‮ ‬طلبا للشاي المصري،‮ ‬ذلك الشاي الذي بدا لي المشكلة‮ ‬غير القابلة للحل،‮ ‬فبداية أنا أعتبر نفسي شريب شاي معتبر،‮ ‬و بالطبع مدمن للشاي الوطني‮" ‬العروسة‮" ‬و لا أرضي ب‮ »‬اللبتون‮« ‬بديلا له،‮ ‬إذ كان يبدو لي شاي مدجن،‮ ‬منزوع النكهة الوطنية و الثقل الذي تجده و أنت تأخذ شفطة الشاي بمرارتها و طعمها الحاد،‮ ‬فما بالك و أنت تجد الشاي بفرنسا مخلوط بفواكه وروائح‮ ‬غريبة،‮ ‬من الزيتون و المشمش و الرمان و‮ ‬غيرها،‮ ‬مما تنفي العلاقة بين هذا المشروب و المسمي عبثا بالشاي،‮ ‬بالطبع كان هناك نوع أخر و هو الشاي الأصفر‮ ‬غير المخلوط بأي رائحة أو فاكهة،‮ ‬حتي هذا لم تكن له علاقة بالشاي الوطني إلا في اللون،‮ ‬لكن الطعم و المذاق و القدرة علي ظبط الدماغ،‮ ‬و إشعارك بأن اليوم قد بدأ،‮ ‬كل هذه الصفات لم تكن موجودة به من قريب أو من بعيد: المهم ذهبت للمركز رغم برودة الجو الثقيلة،‮ ‬مدفوعا لعم مصطفي كي أصبر نفسي بكوب كبير من الشاي المصري المعتبر،‮ ‬و كان عم مصطفي أحد الاكتشافات المهمة لي،‮ ‬فبعد عدة أيام من وصولنا لباريس،‮ ‬كانت هناك ندوة معقودة لنا بالمركز‮: ‬الأستاذ جمال الغيطاني و أنا،‮ ‬و كنا قد تعرفنا علي الدكتور محمود إسماعيل مدير المركز في أول يوم لنا و أيضا الدكتورة كاميليا صبحي المستشارة الثقافية للمركز،‮ ‬و قد أبدا من الكرم و الاحتفاء ما يفوق التقدير و الوصف: المهم في يوم الندوة قابلت العم مصطفي عندما نزلت للمكتبة،‮ ‬و قد قام بتقديم كوب شاي كبير لي،‮ ‬رغم عدم معرفته بي،‮ ‬اللهم إلا أنها عادة المصريين حين يقدم عليهم أحد الغرباء،‮ ‬فإنه بداية يعزمون عليه بالشاي أو القهوة،‮ ‬و لما كنت قد تركت من زمن بعيد شرب القهوة،‮ ‬أي البن،‮ ‬بسبب المعدة اللعينة،‮ ‬فتهللت و قلت الشاي يا عم مصطفي: و حين شكوت من الشاي الخوجاتي،‮ ‬عرض عليٌّ‮ ‬عن طيب خاطر أن أمر عليه كلما سنحت الفرصة كي أشرب الشاي معه،‮ ‬لكننا خرجنا من باريس و لم نعد إلا قبل الرجوع لمصر بيومين،‮ ‬و كان عليٌّ‮ ‬طوال هذه المدة أن أصبر نفسي بمشروبات أخري‮ ‬غير الشاي‮.‬
في هذا اليوم عندما ذهبت،‮ ‬وجدت المركز مظلما،‮ ‬و ظننت أنه‮ ‬غير مفتوح،‮ ‬لكن الدكتور محمود إسماعيل لمحني من خلف الزجاج،‮ ‬و أشار لي بالدخول،‮ ‬و كان سبب الظلام،‮ ‬أنهم يعرضون فيلم الأخر ليوسف شاهين،‮ ‬دخلت و بعد السلامات و الذي منه،‮ ‬سألت عن عم مصطفي،‮ ‬فأشار لي علي إنه تحت بالمكتبة،‮ ‬نزلت و بعد السلامات أيضا و الاطمئنان علي الأحوال كان كوب الشاي الساخن تسبقه الرائحة أمامي،‮ ‬قبضت علي الكوب بكفي التماسا للدفء و رحت استمتع علي مهل وسط الدفء و المودة التي يشعها المكان و الذين حوالي،‮ ‬خاصة بعد أن جاء بعض الأصدقاء مصادفة‮- ‬و خرجنا من المكتبة و كان الفيلم قد انتهي،‮ ‬ووقف بعض الحاضرين ملتفين حول الدكتور محمود يناقشونه في الفيلم،‮ ‬و كانت السيدة باسكال بينهم‮.‬
في الندوة السابقة سألت السيدة باسكال سؤالا يخص علاقة الكاتب بالمتلقي،‮ ‬و هل الكاتب يضعه في حسبانه و ينصت جيدا لأرائه: بدا السؤال معقدا و هي مصرة علي أنه يجب علي الكاتب أن يستمع لمتلقيه،‮ ‬ليس أثناء الكتابة بالطبع،‮ ‬و لكن عقب الانتهاء،‮ ‬و أيضا الاسترشاد بهذه الآراء في الكتابة القادمة،‮ ‬تذكرت هذا حينما سلمت عليٌّ‮ ‬بحرارة‮ ‬،‮ ‬و لما كانت مدخنة مثلي خرجنا للشارع،‮ ‬أخرجت سجائرها،‮ ‬و أخرجتج‮ ‬سجائري و عزمت عليها بواحدة كليوباترا،‮ ‬فتهللت لما رأتها،‮ ‬و مدت أصابعها النحيلة و التقطت واحدة،‮ ‬أشعلت لها،‮ ‬فشدت النفس بقوة،‮ ‬ثم نفثت الدخان بترو و بسمة فرح تنطلق من ملامحها،‮ ‬فعزمتْ‮ ‬عليٌّ‮ ‬أن نتعشي معا بمنزلها فوافقت‮.‬
‮>>>‬
صار التدخين مشكلة للمدخنين في فرنسا،‮ ‬فكل الأماكن المغلقة ممنوع فيها التدخين،‮ ‬حتي في المقاهي عليك أن تخرج للشارع،‮ ‬للبرد الزمهرير و تقف وحيدا منبوذا كي تدخن،‮ ‬أو تنزل في المحطة التي توقف فيها القطار لتسرق نفسين قبل أن يقلع التي جي في،‮ ‬في المتاحف عليك أن تجبر نفسك علي عدم الجلوس،‮ ‬أو التفكير،‮ ‬لأنه حتما ستقرر الخروج،‮ ‬و إذا أردت العودة عليك أن تقطع تذكرة دخول جديدة،‮ ‬إذن أمامك ست أو سبع ساعات بدون تدخين،‮ ‬هي المدة التي سوف تبقاها داخل المتحف أو القطار أو الطائرة،‮ ‬أو يمكنك اتخاذ قرار جدير بالتأمل و هو أن تقضيها بالشارع،‮ ‬متسكعا و مستمتعا بالسيجارة حيث البرد و التعب،‮ ‬و كونك وحيدا: لذا و في كل الندوات التي حضرتها أقف قبل الدخول ملتهما سيجارة قبل الدخول لفترة الصوم الإجباري،‮ ‬مدة الندوة،‮ ‬و التي سأسارع عقب الانتهاء منها بالخروج إلي رحاب الشارع حيث الصقيع و الدخان‮.‬
كنا في لاروشيل،‮ ‬و الوقت ساعة‮ ‬غروب،‮ ‬و علينا الانطلاق صوب الندوة،‮ ‬و دليلنا الصارم،‮ ‬مقدم الندوة،‮ ‬و المدرس السابق،‮ ‬علي وشك الوصول قبل الموعد بدقائق: كان قد عمل مدرسا بمصر لمدة ثلاث سنوات،‮ ‬و مع أنه أحب الملوخية لكنه لم يختلط بالناس،‮ ‬من البيت للمدرسة و العكس،‮ ‬بدا جادا و حازما لكن في رفق،‮ ‬و يطالبنا بإصرار حاد علي وضع حزام الأمان،‮ ‬حتي للجالسين في المقعد الخلفي من سيارته،‮ ‬شديد الدقة و الحساسية،‮ ‬يمتلك تلك العقلية الخاصة بالمعلمين،‮ ‬بدا طوال الوقت مشغولا بأن يقدم لنا وصفا دقيقا و تاريخيا لكل ما نمر به،‮ ‬هكذا كان يصف المدن و الطرق و المباني،‮ ‬حتي أسئلته فيما يتعلق بالأدب كانت تأخذ الجانب المستقصي للدقائق و التفاصيل بما يدهش الكاتب نفسه فيما يخص النص الذي كتبه،‮ ‬المهم حين هبطت من الغرفة لم يكن قد جاء إلي بهو الفندق،‮ ‬فرحت و دفعت الباب و خرجت و أنا أقول‮: ‬كسبنا بعض الوقت لشرب سيجارة‮.‬
تمشيت و السيدة باسكال تجاه محطة الأتوبيس،‮ ‬و مع أن البيت قريب كما قالت،‮ ‬لكن مع هذا الزمهرير الذي لا تعرف من أين يهاجم جسمك،‮ ‬كان علينا أن نحتمي بالدفء داخل الأتوبيس عوضا عن أن يقصفنا البرد،‮ ‬سألتني إن كان معي تذكرة أم لا،‮ ‬فأجبت بنعم: و كنا حين وصلنا لباريس وبين الرغبة الجامحة للرمح في الشوارع لاكتشاف المدينة و زيارة المتاحف و كل المزارات التي قرأت عنها أو شاهدتها في التلفزيون أو في أفلام السينما،‮ ‬و لما كانت المدينة متسعة أيضا،‮ ‬و لن تسعفني خطوتي الواسعة،‮ ‬عليٌّ‮ ‬إذن اللجوء للمواصلات‮: ‬المترو و الأتوبيس،‮ ‬و أخير التاكسي‮. ‬كي أنجز،‮ ‬أوصاني الأستاذ‮/ ‬جمال الغيطاني بشراء التذاكر من محلات الtapac‮ ‬و هي محلات متخصصة في بيع السجائر و كروت الشحن للتليفونات و الولاعات و العطور و‮ ‬غيرها،‮ ‬محلات صغيرة و منتشرة بكل المدينة،‮ ‬و تبيع أيضا التذاكر،‮ ‬نفس التذكرة تستخدم في المترو و الأتوبيس،‮ ‬تذهب و تشتري عشر تذاكر مجتمعة،‮ ‬و هكذا كانت معي،‮ ‬فسهلت معي التنقل بسهولة و يسر‮.‬
‮>>>‬
يقولون في السفر سبع فوائد،‮ ‬و في رواية أخري عشر،‮ ‬و أنا حقيقة لا أقدر أن أعدد هذه الفوائد،‮ ‬لكن أهم فائدة في ظني هي التعرف الجيد لرفيق السفر،‮ ‬قبل هذه الرحلة لم تكن علاقتي بالأستاذ‮/ ‬جمال الغيطاني تتعدي المعرفة البسيطة،‮ ‬المعرفة المهنية،‮ ‬أعرفه جيدا ككاتب و أديب كبير،‮ ‬لكن تلك المعرفة الإنسانية العميقة،‮ ‬لم تكن قد قامت بعد،‮ ‬كانت الرحلة هي بداية لهذه المعرفة،‮ ‬التي كشفت لي عن قلب كبير محب للحياة و الناس،‮ ‬لديه الرغبة في المعرفة و الاكتشاف،‮ ‬خاصة ما هو جديد و‮ ‬غريب،‮ ‬كنت أحسد رغبته تلك عندما كان يجرب أصنافا‮ ‬مختلفة من الأطعمة التي يتعرف عليها للمرة الأولي،‮ ‬بدا هو الشاب في إقباله و جسارته،‮ ‬و بدوت كالشيخ الذي أكتفي بما خبر و عرف،‮ ‬لكنني سأثير دهشته بمعرفتي للطرق بعد السير فيها مرة واحدة،‮ ‬و هذه ميزة يتمتع بها صحراوي أصيل،‮ ‬لم تمثل لي فارقا كبيرا،‮ ‬ففي الصحراء لا يوجد لافتات تحدد السير،‮ ‬و لا أسماء للطرق،‮ ‬عليك أن تعتمد علي معالم الطريق،‮ ‬و تحتفظ به في ذاكرتك لاستدعائه وقت الحاجة بسهولة و يسر،‮ ‬كما أنني أعتمد علي ذاكرة لا تخطئ و هي الأقدام،‮ ‬لكن هذه تحتاج لوقت أطوال،‮ ‬و هذا لم يكن في يدنا‮.‬
طوال الطريق كانت السيدة باسكال تتحدث عن‮ ‬غرامها بمصر،‮ ‬وعن رحلاتها المتعددة إلي القاهرة،‮ ‬و بعض الأماكن الأخري،‮ ‬و ترددها الدائم علي المركز المصري،‮ ‬لحضور الندوات و العروض الفنية،‮ ‬لكنها الآن و قد كبرت و كبرت معها بعض الأمراض المصاحبة أصبحت زيارتها لمصر متباعدة،‮ ‬و كيف أنها تفكر بالقدوم في الربيع القادم: في الشارع كانت تشير لبعض المباني و تتحدث عنها،‮ ‬و أوصتني بزيارة بعض الأماكن التي لم أزرها،‮ ‬أخبرتها‮: ‬ربما في مرة قادمة،‮ ‬فلن يبقي لدي بباريس سوي الغد،‮ ‬و هو ما خصصته لشراء بعض الهدايا لأطفالي و الأهل‮.‬
لما وصلنا أمام الشقة،‮ ‬أخرجت من حقيبتها المفاتيح،‮ ‬في البداية فتحت كالون في أعلي الباب،‮ ‬ثم نزلت بمفتاح أخر إلي أسفل الباب و فتحت،‮ ‬ثم اعتدلت و بمفتاح ثالث وضعته في منتصف الباب و فتحت،‮ ‬و أنارت المدخل،‮ ‬ووجدتها تضع مفتاح رابع في الباب الداخلي قبل أن تبتسم و تدعوني للدخول: دخلت للدفء المنزلي،‮ ‬شقة صغيرة يفتح الباب في صالة صغيرة،‮ ‬مليئة بالأغراض‮: ‬الكتب و اللوحات،‮ ‬منضدة دائرية فوقها أوراق و أقلام و ألوان: علي الحائط في المواجهة رأيت اللافتة الخضراء التي تحمل أسماء الشوارع عندنا،‮ ‬قرأت‮: ‬شارع أحمد بن طولون‮. ‬قالت حين أشرت إليها‮: ‬وجدتها بالشارع،‮ ‬بجوار الزبالة،‮ ‬و حين سألت الناس،‮ ‬قالوا لي خذيها‮. ‬قلت و كيف عبرت بها من المطار؟ قالت‮: ‬وضعتها بين الملابس في الحقيبة و لم يسألني أحد‮.‬
جلسنا بالمطبخ الصغير نأكل و نثرثر،‮ ‬بدت السيدة باسكال مهتمة بأن نقدم كل ما تقدر عليه،‮ ‬و كنت أردها بلطف مكتفيا بما هو أمامي،‮ ‬علي الرف كانت علبة شاي العروسة الشهيرة تقف متفردة بين علب و قناني فرنسية علي الرف المواجه لنا،‮ ‬قالت‮: ‬جئت بها لما كنت هناك أخر مرة‮. ‬و لم أفتحها‮. ‬و عرضت أن تقوم بفتحها لعمل الشاي منها،‮ ‬و رغم وجاهة العرض،‮ ‬و شدة اشتياقي للشاي الوطني،‮ ‬لكني قلت في بالي‮: ‬أبسبب دعوة طارئة تخسر علبة الشاي التي تحتفظ بها‮! ‬شكرتها و شربت الشاي الأصفر،‮ ‬أما هي فقد‮ ‬غلت حلبة حصي و شربته بدون سكر‮.‬
حين بدأنا التدخين فتحت نافذة المطبخ،‮ ‬و دخل الزمهرير،‮ ‬فمازلت الأمطار تتساقط،‮ ‬قامت و عبرت الصالة و ردت باب الحجرة الوحيدة،‮ ‬و قالت‮: ‬كيلا يتسرب الدخان إليها: سألتها لِمّ‮ ‬أصرت علي دعوتي؟ قالت أنها ترد الجميل‮. ‬و ضحكت،‮ ‬فقلت‮: ‬أي جميل؟ قالت أنها في زياراتها المتعددة لمصر،‮ ‬تجد الناس يرحبون بها،‮ ‬و يصرون علي دعوتها لمنازلهم،‮ ‬مع عدم معرفتهم بها،‮ ‬و كانت تذهب عندما يكون لديها فائض من الوقت،‮ ‬أما أنت فأنا علي الأقل أعرفك‮. ‬هززت رأسي مستفهما،‮ ‬قالت‮: ‬رأيتك في الندوة،‮ ‬و قرأت‮ :‬غواية الشر الجميل‮. ‬قامت و أحضرت الكتاب المترجم به القصة،‮ ‬و راحت تسألني عن بعض الجوانب المتعلقة بالقصة و الترجمة،‮ ‬و أيضا شعرية اللغة وأنا متعجب لاهتمامها،‮ ‬و رأيت أنها وضعت خطوطا تحت بعض الأسطر‮.‬
نزلت من عندها و أنا أشكرها لكرمها،‮ ‬و أصرت علي أن توصلني حتي محطة المترو،‮ ‬كي لا أتوه،‮ ‬خاصة و أن الجو لا يسمح ببعض التوهة،‮ ‬فالمطر و البرد و أيضا تأخر الوقت،‮ ‬توقفت و هي تمد يدها للمطر،‮ ‬قالت‮: ‬لقد بدأ الثلج في التساقط‮. ‬نظرت لكني لم أستطع التميز،‮ ‬لكن الثلج المتطاير سقوطا يشبه ندف القطن،‮ ‬و هو ما سوف يكون في ودعنا و‮ ‬نحن بالمطار في انتظار إقلاع الطائرة‮.‬
 
العدد الحالي
  الأعداد السابقة
الصفحة الرئيسية
ساحة الأخبار
رحبة
شرق وغرب
البستان
ساحة الإبداع
كتب
أحداث
أحداث
نقطة عبور

أعلي الصفحة إرسل الصفحة إلي صديق إطبع الصفحة إحفظ هذه الصفحة في المفضلة
   دفتر الزوار   |   دليل المواقع   |   الاشتراكات   |   الإعلانات   |   خريطة الموقع   |   البحث   |   الأعداد السابقة   |   إتصل بنا   |   مساعدة   
   الإعلانات المبوبة  |  أكاديمية أخبار اليوم  |  بلبل  |  أخبار السيارات  |  أخبار الحوادث  |  أخبار النجوم  |  أخبار الأدب  |  أخبار الرياضة  |  آخر ساعة  |  الأخبار  |  أخبار اليوم   :شبكة أخبار اليوم   
All site contents copyright © 2000-2002 Dar Akhbar El Yom.
للأستفسار أو طلب معلومات يرجي مراسلتنا علي العنوان التالي
akhbarelyom@akhbarelyom.org

Best viewed with Internet Explorer 4.0, Netscape 4.0 or above with a resolution of 800 X 600 .

Website Developed By: